بحث عن بحث

 قرائن الترجيح بين الروايات المختلفة (2-4)

5) شذوذ السند:

ومعنى ذلك أن يُروى الحديث بوجه قد عرف أنه خطأ، ولا يصحُّ حديث بهذا الإسناد.

ويعرف ذلك بأمرين هما:

     1.  الاستقراء، وهو لحفَّاظ الحديث السَّابقين يسير.

     2.  تنصيص علماء الحديث على ذلك .

ومن ذلك قول أبي حاتم : « عكرمة عن أنس ليس له نظام » (1).

وقول البَرْديجي عن سلسلة : قَتادة عن الحسن عن أنس : « لا يثبت منها حديث أصلاً من رواية الثِّقات » وقال عن سلسلة : قَتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة : « هذه الأحاديث كلها معلولة » وقال ابن المديني عن سلسلة : يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة : « لم يصحَّ منها شيء مسند بهذا الإسناد »(2).

كذا نقله عنه البَرْدِيجي مطلقاً ثم خصَّه بإسناد معين ، وقد أخرج البخاري في المتابعات في جامعه حديث : « يعقد الشيطان على قافية أحدكم … »(3)، من هذا الطريق نفسه !! فلعلَّ ابن المديني أراد الغالب.

 

6) فقدان الحديث من كتب الراوي:

وهذا وروده قليل. ومن أمثلته حديث : « الأئمة من قريش » .

له عدة طرق منها ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، وجاء بأسانيد منها رواية إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أنس(4).

وهذا سند ظاهره الصحة، إلا أن الإمام أحمد أعلَّه بقوله: « ليس هذا في كتب إبراهيم، ولا ينبغي أن يكون له أصل »(5).

وقال أيضاً : « كتب ابن جريج مدونة فيها أحاديثه ، من حدَّث عنهم ، ثم لقيت عطاء ، ثم لقيت فلاناً ، فلو كان محفوظاً عنه لكان هذا في كتبه ومراجعاته »(6).

وقال الذهلي معلاً لحديث نواصي الخيل : « لم يكن في أصل عبد الرزاق »(7).

وقال ابن معين معلاً لحديث : « لم يوجد في كتاب الدراوردي ، وأخبرني من سمع كتاب العلاء من الدراوردي إنما كانت صحيفة ، ليس هذا فيها »(8).

وكان أبو حاتم من أكثر العلماء اهتماماً بهذه القرينة ، فمن ذلك قوله معِلاً : «لو كان صحيحاً لكان في مُصنَّفات ابن أبي عَروبة »(9).

وقال أيضاً: « وكان الوليد[أي ابن مسلم]صنَّف كتاب الصَّلاة، وليس فيه هذا الحديث » (10).

وقال أيضاً: « هذا الحديث ليس هو في كتاب أبي صالح عن الليث، نظرت في أصل الليث، وليس فيه هذا الحديث »(11).

وكذلك قال الدَّارقطني : « ولا يثبت هذا الحديث ، لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات »(12).

 

7) مخالفة الراوي لما روى:

وليس المراد هنا ما يذكره الأصوليون ، بل إن حفَّاظ الحديث قد يعلُّون الحديث المرفوع - من جهة الثبوت لا الدلالة - إذا ورد عن الرَّاوي نفسه ما يدلُّ على وهم الرفع، أو على مخالفته الصريحة ، سواء اختلف في رواية الرفع أم لا .

قال ابن رجب(13) مبيناً ذلك: « قاعدة : في تضعيف حديث الرَّاوي إذا روى ما يخالف رأيه . قد ضَعَّفَ الإمام أحمد وأكثر الحفَّاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا »، ثم ذكر أمثلة لذلك ومنها: حديث ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة رفعت صبياً للنبي صلى الله عليه وسلم وقالت: ألهذا حج ؟ قال " نعم ، ولك أجر ". فقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير الاختلاف على إبراهيم ابن عقبة والثوري في وصله وإرساله. ثم قال: « أخشى أن يكون هذا مرسلاً في الأصل... » ثم ذكر رواية أبي ظبيان وأبي السفر عن ابن عباس قال : « أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج » قال البخاري عَقِبَه : « وهذا المعروف عن ابن عباس »(14).

فرجح البخاري الإرسال للاختلاف فيه ، وجعل الموقوف المخالف قرينة على ترجيحه، لا سبباً وحيداً لذلك .

ومن المعلوم أن الرِّواية مقدَّمة على الرأي المجرَّد إذا ثبتا جميعاً. ولكن الحفَّاظ جعلوا مخالفة الرَّاوي لما روى ، قرينةً على وهم الرِّواية لا مُقَدَّمَةً عليها ، وفرق بين الأمرين واضح ، هذا مع ما قد يحتفُّ بالطُّرق من قرائن أخرى يتبين بها الصَّواب .

ومن الأمثلة على ذلك مما قد تخفى مخالفته، ما رواه مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب : « قل يا أيها الكافرون » ، و« قل هو الله أحد »(15).

قال مسلم معِلاً هذه الرِّواية : « وهذا الخبَرُ وهمٌ عن ابن عمر . والدليل على ذلك الرِّوايات الثابتة عن ابن عمر أنه ذكر ما حفظ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من تطوع صلاته بالليل والنهار ، فذكر عشر ركعات ، ثم قال : « وركعتي الفجر ، أخبرتني حفصة ...» قال مسلم: « فكيف سمع منه أكثر من عشرين مرة قراءته فيها ؟ ثم يخبر أنه حفظ الركعتين من حفصة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم »(16).

وبنحو هذا أعلَّ أبو حاتم الرَّازي أَيْضَاً(17).

وكذا أعلَّ البخاري حديث أبي هريرة مرفوعاً: « من استقاء فقد أفطر »(18) ، بأنه قد روي عن أبي هريرة أنه كان لا يرى القيء يفطر الصائم(19).

بل ربَّما أعلَّ الحفَّاظ رواية مختلفاً فيها بقرينةِ مخالفةِ التَّابعيِّ لما روى ، كما أعلَّ الدَّارقطني حديث أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه كره السَّدل .

قال الدَّارقطني : « وروي هذا الحديث عن عطاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً . وفي رفعه نظر ، لأن ابن جريج روى عن عطاء بن أبي رباح أنه كان يسدل في الصَّلاة »(20).

وقال ابن حجر : « قال الدارقطني في العلل : رواه يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر . قال الدارقطني : وتابعه بقية عن عبيد الله ، والصحيح عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى . وقد روى طلق بن حبيب قال : قلت لابن عمر : هل سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم في الحرير شيئاً ؟ قال : لا . قال : فهذا يدلُّ على وهم بقية ويحيى بن سليم في إسناده »(21).

 

8) وجود تفصيل أو قصة في السند أو المتن:

فمن روى خبراً مرسلاً - مثلاً - بقصة، فإن روايته مقدَّمة على من ذكر الخبر وحده موصولاً مجرداً من القصة. لأنَّ ذلك دلالة على حفظ الأول .

قال أحمد: « إذا كان في الحديث قصة دلَّ على أن راوية حفظه »(22).

قال الخطيب البغدادي: « وقد يُرَجَّح أحد الخبرين بأن يكون مروياً في تضاعيفه قصة مشهورة متداولة معروفة عند أهل النقل، لأنَّ ما يرويه الواحد مع غيره أقرب في النفس إلى الصحة مما يرويه الواحد عرياً عن قصة مشهورة »(23).

ومن شواهد اعتبار هذه القرينة في المتن قول ابن أبي حاتم(24) : « سألت أبي عن حديث رواه أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل ، ورواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قَتادة عن الحسن عن سمرة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل . قلت أيهما أصح ؟ قال أبي : قَتادة أحفظ من أشعت ، وأحسب الحديثين صحيحين ، لأن لسعد بن هشام قصةً في سؤاله عائشة عن ترك النِّكاح يعني التبتل » .

وقال الدَّارقُطني : « حديث حجاج غير مدفوع ، لأنه أتى بالقصة على وجهها ، وشعبة اختصرها »(25).

أما في السند فمن ذلك قول ابن حجر مرجحاً لرواية: « وهذا يشعر بأن من قال: عن أبيه عن جده سلك الجادة، وإلا فلو كان عنده عن أبيه عن جده لما احتاج أن يرحل فيه إلى المدينة، ويكتفي فيه بحديث مرسل »(26).

ومثل قول ابن حجر هنا قول أبي حاتم: « لو كان عند قيس عن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث عن عمر موقوف »(27).

ومن أمثلة الترجيح بورود تفصيل في رواية دون أخرى قول الدَّارقُطني : «والصحيح قول من فصله »(28).

وقال أيضاً: « وحديثهما أولى بالصواب، لأنهما فصلا ما بين حديث أبي مسعود وغيره »(29).

 


 


(1) - العلل لابن أَبي حاتم (1/273) .

(2) -شرح العلل (2/732-733) وإكمال مغلطاي (12/320) .

(3) - الجامع الصحيح (3269) ، وأورد له طريقاً آخر (1142) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .

(4) - أخرجه الطَّيالسي (2133) ، ومن طريقه البزار (1578-زوائد) – كلاهما في المسند - .

(5) - مسائل أَبي داود (ص289) .

(6) - العلل لابن أَبي حاتم (1/408) .

(7) - أجوبة البرذعي (ص748) .

(8) - رواية ابن طهمان (362) .

(9) - العلل لابن أَبي حاتم (1/32) .

(10) - العلل لابن أَبي حاتم (1/170) .

(11) - العلل لابن أَبي حاتم (2/353) .

(12) - العلل (5/346) .

(13) - شرح العلل (2/796) .

(14) - التاريخ الكبير (1/198-199) ، والمرفوع أخرجه مسلم في صحيحه (1336) وغيره .

(15) - أخرجه ابن أَبي شيبة في المصنف كتاب الصلاة / باب ما يقرأ فيهما (2/50) ومسلم في التمييز (ص207) .

(16) - التمييز (ص208) .

(17) - العلل لابن أَبي حاتم (1/118) .

(18) - التاريخ الكبير (1/91-92) .

(19) - العلل الكبير للترمذي (1/343-ترتيبه) .

(20) - العلل (8/338) .

(21) -  التلخيص (51) .

(22) - هدي الساري (ص525) .

(23) - الكفاية (ص475) .

(24) - العلل (1/402) .

(25) - العلل (11/104) .

(26) - الفتح (9/476) ، كتاب الطلاق / باب 9 .

(27) - العلل لابن أبي حاتم (1/136) .

(28) - العلل (5/131) .

(29) - العلل (6/184) .