بحث عن بحث

 

 

قرائن الترجيح بين الروايات المختلفة ( 3-4 )

 

9) التفرد

وهذه القرينة لا تَرِدُ في الاختلاف بين الرُّواة، بل تَرِدُ في الحديث الفرد الواحد الذي لا طرق له أخرى. ومن أكثر الحفَّاظ تعليلاً بها الإمام البخاري، فهو كثيْراً ما يقول في كتبه: « لا يتابع عليه »(1) مع عدم ذكر أي اختلاف على الرُّواة .

وأشدُّ ما يكون ضعفُ ذلك إذا تفرد صدوق أو نحوه عن حافظ كبيْر - كالزُّهري ومالك - له أصحاب كثيرون يحملون حديثه ولا يروون ما روى - ما تتوفر الهمم والدواعي على رواية ما رواه ، فإن الحفَّاظ - غالباً - ما يردُّون هذه الرِّواية ويعلُّونها بالتَّفرد.

فمن ذلك قول أحمد في حديث: « أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم»(2) .

وقال ابن معين : « هذا وهم ، لو كان هذا هكذا لحدَّث به الناس جميعاً عن سفيان»(3).

ومن شواهد ذلك أيضاً قول أبي حاتم في حديث رواه إسماعيل بن رجاء: « أين كان الثوريُّ وشعبة عن هذا الحديث » (4) .

وقال أيضاً : « فلو كان هذا الحديث عن الحرِّ كان أول ما يسأل عنه ، فأين كان هؤلاء الحفَّاظ عنه »(5) .

وقال أيضاً: « ولو كان هذا الحديث عند شعبة كان أول ما يسأل عن هذا الحديث »(6).

ومن شواهد الصريحة في ذلك قول أبي حاتم عن حديث رواه قُرَّان بن تمَّام عن أيمن بن نابل ... قال: « لم يروِ هذا الحديث عن أيمن إلا قُرَّان، ولا أراه محفوظاً، أين كان أصحاب أيمن بن نابل عن هذا الحديث »(7) .

قال ذلك وأيمن ليس بالمشهور المكثر . فكيف إذا تفرد راوٍ مختلف فيه ، عن مثل الزهري وقَتادة ونحوهما من الحفَّاظ المكثرين ، فكلام أبي حاتم وغيره فيه من باب أولى .

وقد يقبل التفرد لسبب آخر .

قال ابن رجب : « مما يستدل به الأئمة كثيراً على صحة رواية من انفرد بالإسناد ، إذا روى الحديث بالإسناد الذي روى به الجماعة »(8) .

 

10) غرابة المتن

ومعنى هذا أن يكون في لفظ الحديث من الغرابة ما تجعل كونه مرفوعاً بعيداً، حيث إنَّ حفَّاظ الحديث لكثرة ممارستهم لهذا العلم، تكون لديهم ملكة قوية في فقه المتون وعادة النصوص النبوية لفظاً ومعنىً.

ومن شواهد ذلك حديث أبي هريرة مرفوعاً : « إنَّما سمِّي البيت العتيق لأنه عتق من الجبابرة »(9) ، أرسله معمر ووصله غيْره ، فأعله أبو حاتم الرَّازي بقوله : « حديث معمر عندي أشبه ، لأنه لا يحتمل أن يكون عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرفوع »(10) .

وفي حديث ابن عباس مرفوعاً: « خير الجيوش أربعة آلاف … »(11) ، قال أبو حاتم : « مرسل أشبه ، لا يحتمل هذا الكلام [أن] يكون كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم »(12).

وقال أيضاً في حديثٍ: « ولا أحسبه إلا وهم، يشبه كلام الزُّهري »(13) .

ومن هذا الباب أن يكون المتن مما يشتهر مثله عند رواة بلده، فيأتي من بلد آخر، فيستغرب من هذه الحيثية، أن كيف لم يروه أهله، وهم أولى به.

فقد قال قتادة : إن إنساناً وقع في بئر زمزم ، فمات ، فأمر ابن عباس بالعيون فسُدَّت ، وأن ينـزح الماء . قال ابن عيينة عقبه : ولا يعرف أهل مكة هذا الحديث ، وإنما جاء من قِبَلِ العراق(14) .

وهذا المبحث إنما يقدر عليه من عاش مع الحديث وعلله وطرقه وألفاظ رواته السنين الطويلة، مع ملازمة أهل الفهم به، والعكوف عليه، فيصير لديهم ملكة لا يعبر عنها بأمر سوى ما يهجم على قلوبهم ويسبق على ألسنتهم.

 

11) اختلاف ألفاظ الروايتين

ومن أمثلته الاختلاف على قَتادة - على وجهين - في حديث ، فسأل ابن أبي حاتم أباه عن الراجح فقال : « الحديثان عندي صحيحان ، لأنَّ ألفاظهما مختلفة »(15) .

 

12) اضطراب إحدى الروايتين

وأصل ذلك أن الاضِّطراب مما يوهن الرِّواية، وإن لم يستلزم القدح فيها بالكلية.

فإذا رُوِيَ حديثٌ عن قَتادة - مثلاً - ورواه عنه سعيد بن أبي عَروبة وهشام الدَّسْتَوائي ، واختلف على سعيد بن أبي عَروبة ، فإن جانب هشام الدَّسْتَوائي هنا أقوى من هذه الحيثية فيقدم لذلك .

وإذا كان الاختلاف عليه قد وصل إلى حدِّ الاضِّطراب؛ فإن روايته مرجوحة قولاً واحداً كما هو معلوم.

قال ابن خلاد الباهلي : « سمعت يحيى – وهو ابن سعيد القطَّان – لا يقدِّم على يحيى بن سعيد أحداً من الحجازيين ، فقيل له : الزُّهريُّ ؟ فقال : الزُّهريُّ خولف عنه ، ويحي لم يختلف عنه »(16) .

وقال ابن محرز: « وسمعت يحيى – يعني ابن معين - وقيل له: من كان أثبت أصحاب إبراهيم في إبراهيم، وأحبُّهم إليك ؟ قال: منصور، فقيل له: فمن بعده ؟ فقال: الأعمش، وذلك أنه لم يختلف على منصور »(17) .

قال ابن مهدي: « إنَّما يستدلُّ على حفظ المحدِّث إذا لم يختلف عليه الحفَّاظ»(18) .

وقال الخطيب عند ذكره لبعض قرائن ترجيح أحد الخبرين : « ومما يوجب ذلك أيضاً ، أن يكون سنده عارياً من الاضِّطراب، وسند الآخر مضطرب ، واضطراب السَّند أن يذكر راويه رجالاً فيلبس أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليساً للرواية عنهم ... »(19) .

وقال ابن حجر : « فحديث لم يختلف فيه على راويه - أصلاً - أصحُّ من حديث اختلف فيه في الجملة ، وإن كان ذلك الاختلاف في نفسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح»(20) .

ولذا رجح العلماء رواية على أخرى بحجة أن الراوي روى مثل هذا السند في حديث آخر فوهم فيه.

أما إذا اضطرب الثقات على راوٍ فيه كلام ، فإن إلصاق السبب به أولى .

قال الدَّارقُطني بعد ذكر خلاف : « والاضطراب فيه من جهة ابن عقيل »(21) .

 

13) وجود أصل للرواية

ومعنى ذلك أن يختلف على راوٍ في زيادة رجل في سند الحديث أو في ذكر الوجه الذي أتى به ، ويكون لذلك الرجل المزِيد أو الوجه الآخر أصل بأن ذكر في روايات أخرى من غير ذلك الطريق ، فيكون ذلك قرينة على حفظ الرَّاوي لما ذكر .

قال أبو حاتم: « أنا إلى حديث الشَّعبي بلا عروة أميل، إذ كان للشَّعبي أصلٌ في المسح »(22).

وقال أبو حاتم في حديث اختلف في ذكر أبي رافع فيه ، فاحتج برواية أخرى موقوفة خارجة عن ذلك الخلاف بقوله : « كان حديث أبي رافع رضي الله عنه أشبه ، لأن حميد الطويل رواه عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن أبي موسى رضي الله عنه موقوفاً » ، ووافقه أبو زرعة على ذلك(23) .

وقال أبو حاتم أيضاً : « حديث موسى أشبه ، لأن الحديث يروى عن سعيد من طرق شتَّى ، ولا يعرف عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا شيء »(24) .

ويشبه هذا ترجيح العلماء رواية على أخرى بحجة أن هذا السند قد روي به أحاديث أخرى، لم تصل إلى درجة سلوك الجادة.

 

14) وجود رواية تجمع الوجهين المختلفين

ومعنى ذلك أن يختلف على راوٍ في حديث على وجهين – سواء أمكن التَّرجيح بينهما أم لم يمكن – ونجد رواية أخرى تجمع الوجهين جميعاً عن الشَّيخ نفسه. فتكون هذه قرينة على صحة الوجهين عن ذلك الشَّيخ .

ومن شواهد ذلك قول أبي حاتم: « لولا أن ابن الهاد جمع الحديثين، لكنا نحكم لهؤلاء الذين يروونه » (25) .

وقال التِّرمذي : « سألت أبا زرعة عن هذين الحديثين ، أيهما أصح ؟ حديث أنس أو حديث أبي سعيد ؟ فقال: كلاهما صحيح، وقد رواهما عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه الحديثين جميعاً. وسألت محمداً ، فقال مثله »(26) .

وقال الترمذي أيضاً بعد حديثٍ : « وكلا الوجهين صحيح ، لأن إسرائيل جمعهما»(27) .

وقال ابن خزيمة بعد حديث اختلف فيه على وجهين عن النخعي : « غير مستنكر لإبراهيم النخعي – مع علمه وطول مجالسته أصحاب ابن مسعود - أن يروي خبراً عن جماعة من أصحاب ابن مسعود »(28).

 

15) تصحيح الحفاظ لإحدى الروايات

حيث إنَّ حفَّاظ الحديث السابقين من أعلم النَّاس بعلمهم ، فإن تصحيحهم لوجه من أوجه الخلاف يعد قرينة لمن أتى بعدهم على قوة هذا الوجه على غيرهم ، حيث إنَّ علمهم بالعلل والخلاف، وقرائن التَّرجيح ، تجعل تصحيحهم في أعلى درجات القوة . وهذا يختلف بحسب المصحح ومنهجه ، وقوة كتابه الذي اشترط فيه الصحة .

فليس تصحيح ابن حبَّان والحاكم وغيره كتصحيح ابن المديني والبخاري ومسلم وأمثالهم من الكبار .

فإذا اختلف على قَتادة مثلاً على وجهين متقاربين في القوَّة ، وقد صحَّح البخاري أو مسلم أو غيرهما من الحفَّاظ أحد الوجهين ، استدللنا بذلك على صحة هذا الوجه لأن علمهم بالعلة غالب على الظن ، ومنهجهم في التَّرجيح من أصح المناهج ، فلا عذر بعد ذلك لمن خالفهم إلا عند اختلافهم مع قوة قرينة الوجه الآخر .

ومن شواهد ذلك قول ابن حجر في حديث أخرجه البخاري بزيادة : « وأغرب الأصيلي فيما حكاه ابن بطال فقال : ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوْزاعي؛ لأن شيبان وغيره رووه عن يحيى بدونها فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحدة.

  قال وأما متابعة معمر فليس فيها ذكر العمامة، وهي أيضا مرسلة؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو . قلت : سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سنة ستين، وأبو سلمة مدني، ولم يوصف بتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو، وقد روى بكير بن الأشج عن أبي سلمة أنه أرسل جعفر بن عمرو بن أمية إلى أبيه يسأله عن هذا الحديث فرجع إليه فأخبره به، فلا مانع أن يكون أبو سلمة اجتمع بعمرو بعد فسمعه منه، ويقويه توفر دواعيهم على الاجتماع في المسجد النبوي، وقد ذكرنا أن ابن منده أخرجه من طريق معمر بإثبات ذكر العمامة فيه، وعلى تقدير تفرد الأوْزاعي بذكرها لا يستلزم ذلك تخطئته، لأنها تكون زيادة من ثقة حافظ غير منافية لرواية رفقته، فتقبل ولا تكون شاذة، ولا معنى لرد الرِّوايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية » (29) .

فقول ابن حجر : « بهذه التعليلات الواهية » ، يريد بها قرائن التَّرجيح التي يعملها ابن حجر نفسه في كثير من المواضع من شرحه . ولكن لما كانت الرِّواية في الصَّحيح والقرائن مخالفة لما صحَّحه البخاري في الظَّاهر ، ردَّ ابن حجر ذلك بقرينة تصحيح البخاري الذي استند على قرائن أخرى.


 

 


(1) - من ذلك في تاريخه الكبير (1/110و127و139) .

(2) -  المنتخب من علل الخلال (137) .

(3) - رواية الدوري (1671) .

(4) - العلل لابن أَبي حاتم (1/92) .

(5) - العلل لابن أَبي حاتم (2/392) .

(6) - العلل لابن أَبي حاتم (2/401) .

(7) - العلل لابن أَبي حاتم (1/296) .

(8) - شرح العلل (2/720) .

(9) - أخرجه البخاري في الكبير (1/201) والبزار في مسنده (2215) من حديث عبد الله بن الزبير .

(10) - العلل لابن أَبي حاتم (1/275) .

(11) - أخرجه الترمذي في جامعه (1555) وأعله بالإرسال .

(12) - العلل لابن أَبي حاتم (1/347) .

(13) - العلل لابن أَبي حاتم (1/380) .

(14) - تاريخ ابن أبي خيثمة (424-المكيون) .

(15) - العلل (2/442) .

(16) - تاريخ بغداد (14/105) .

(17) - رواية ابن محرز (1/119) .

(18) - الكفاية (ص475) .

(19) - الكفاية (ص475) .

(20) - النكت لابن حجر (2/810) .

(21) - العلل (7/19) .

(22) - العلل لابن أَبي حاتم (1/13) .

(23) - العلل لابن أَبي حاتم (1/234) .

(24) - العلل لابن أَبي حاتم (2/366) .

(25) - العلل لابن أَبي حاتم (1/133و193) .

(26) - العلل الكبير (1/400-ترتيبه) .

(27) - الجامع (1105) .

(28) - التوحيد (1/183) .

(29) - الفتح (1/408) .