بحث عن بحث

القاعدة الخامسة: التدرج في التربية (1-2)

مدخـل:

ومن وسائل المنهج التربوي وأساليبه في الهدي النبوي التدرج في التوجيه والإرشاد والتربية كما هو التدرج في أحكام التشريع من الحلال والحرام، وكذلك التدرج في المجال الدعوي، وغيره من المجالات. ونفصل في هذه القاعدة وفق الآتي:

أولاً: من صور التدرج في التربية:

1 - كان نزول القرآن بالتدريج حسب الأحوال والظروف، ولم ينزل القرآن جملة واحدة، تفاديًا للمشقة على الرسول ﷺ وعلى الصحابة ن، ومن جانب آخر فإن التدرج يساعد في فهم التشريع وتطبيق أحكامه بصورة أكبر ما لو كان ذلك دفعة واحدة، يقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}(1).

- وجاء في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}(2)، ما روي عن ابن عباس ط في تفسير هذه الآية أنه قال: الربانيون هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره». وهو نوع من التدرج الذي يبدأ من صغار العلم إلى كباره.

2 - وقد انتهج النبي ﷺ أسلوب التدرج في التربية والدعوة، وتبين ذلك جليًا في وصيته لمعاذ حين بعثه إلى اليمن، حيث قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فتُرد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»(3).

فالمراحل التي يوصي بها النبي ﷺ لمعاذ متدرجة من حيث الأولوية من جهة، ومن حيث مدى قبولهم من جهة أخرى، حيث يفصل بين كل مرحلة ومرحلة قوله ﷺ: «فإن هم أطاعوا لذلك» بمعنى إذا استجابوا لهذا الأمر ولم يجدوا حرجًا في ذلك فأخبرهم بالأمر الذي يليه وهكذا.

3 - ومن صور التدرج أيضًا في الهدي النبوي أن النبي ﷺ حثّ على التيسير والتبشير وذمّ التعسير والتنفير فقال: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا»(4)، وقد علّق عليه ابن حجر : بقوله: «المراد تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدرج، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبًا الازدياد»(5).

فمن التيسير والتسهيل على الناس أن يبدأ المربي والداعية والمعلم معهم بالتدرج في الأمور السهلة والبسيطة بالنسبة للتعليم والتربية والدعوة وغيرها، حتى لا يملّوا أو ينفروا من الدين، لأن أمرهم الواجبات الشرعية دفعة واحدة يؤدي إلى النفور والملل من جميع ما يسمعونه أو يتلقونه.

 

ثانيًا: فوائد التدرج في التربية:

ولأسلوب التدرج في التربية والتعليم حكم وآثار، منها:

1 – أن التدرج لا يرهق المستمع والمدعو بالأوامر والنواهي دفعة واحدة، بل فيه مراعاة لقدراته وطاقاته.

2 – أن التدرج  يلبي الحاجات الشرعية بأحسن صورها، فالإنسان حين يكلف بأداء أي واجب عليه في الأمر أو النهي، فإنه يقوم بأدائه وتحقيق أركانه بصورة كاملة حين يكون متدرجًا على شكل مراحل، ويتكاسل هذا الإنسان ويشق عليه حين يُكلف بمجموعة من الأوامر دفعة واحدة.

3 – التدرج يكوّن دائمًا الشخصية المتوازنة والمستقيمة، لأن صاحبها يتلقى الأمر والتوجيه على مراحل، فيكون كل ما يبنى على هذه القاعدة صحيحًا ومتينًا، بخلاف الذي يتلقى الأمر أو النهي دفعة واحدة، حيث تتأزم نفسه ويثقل الضغط عليها، وبالتالي لا يستطيع أن يبقى الإنسان متوازنًا في سائر أحواله.

4 – التدرج في التعليم والتربية يمنع وقوع الفوضى والتداخل في حركة الإنسان، لأن أخذ الأحكام من غير تدرج أو القفز فوق بعضها للوصول إلى مراحل متقدمة بشكل سريع، يؤدي إلى التخبط والفشل والتوقف عن العمل في معظم الحالات، لذا كان التدرج في التشريع متوافقًا مع أحوال الناس وطبيعة ظروفهم، كما جاء في مسألة الأمر والنهي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الفرقان: 32]

(2) [آل عمران: 79]

(3) أخرجه البخاري (2: 544 رقم 1425)

(4) أخرجه البخاري (1: 38 رقم 69)

(5) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (1: 163)