بحث عن بحث

القاعدة الخامسة: التدرج في التربية (2-2)

ثالثًا: التدرج في الأوامر:

وعلى سبيل المثال، التدرج في الصيام، حيث لم يأت الأمر بالصوم مرة واحدة وإنما كان على دفعات، فقد كانت الآية الأولى في الصوم قوله تعالى: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}(1). وهو الأمر بالتخيير بين الصيام والإطعام، فمن شاء صام، ومن شاء أفدى.

ثم كانت المرحلة التالية، حين فُرض الصيام من غير تخيير، فلا يُفطر أحد إلا بعذر المرض أو السفر، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(2).

ثم جاءت المرحلة التي فيها شيء من التفصيل لحال الصائم، حيث أبيح له الجماع والطعام والشراب طول الليل إلى طلوع الفجر، لأنهم كانوا من قبل إذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك، فأنزل الله تعالى قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}(3).

فكان هذا التدرج في الأمر بالصيام وبعض تفاصيله مرتّبًا ومنظمًا، وملائمًا مع فطرة الإنسان وطاقته وإمكاناته.

 

رابعًا: التدرج في النواهي:

وعلى سبيل المثال مسألة تحريم الخمر، حيث مرّ تحريم الخمر بأربع مراحل:

المرحلة الأولى: وهي التنويه والإشارة إلى ذكر الخمر، من باب شربه وتناوله بكثرة، وكذلك الاستفادة منه في البيع والشراء كأي سلعة تجارية، قال الله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}(4).

المرحلة الثانية: وهي الإشارة إلى ما في الخمر من الإثم الكبير وتبعات السكر وذهاب العقل، والمنفعة الصغيرة التافهة التي قد يجني بعضهم من وراء الاتجار بها بعض المال، وهي مرحلة تمهيدية للتحريم، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}(5).

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التحريم الجزئي، وفي فترات معينة أثناء قيام الصلاة فحسب، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}(6).

المرحلة الرابعة: وهي مرحلة التحريم الكلي والنهائي، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}(7).

ولعل الحكمة من هذا التدرج هو تهيئة النفس لقبول المرحلة الأخيرة وهي التحريم، لأن الامتناع عن الخمر دفعة واحدة كان صعبًا وشاقًا على العرب، لأنهم كانوا ذو علاقة وطيدة مع هذا المسكر، إذ لا يخلو بيت إلا وفيه الخمر الذي يصنع ويخزن في الدنان تكفيهم لعدة شهور.

    

ونحن نختم هذه القاعدة نلخص المهم في نقاط:

1 – أن التدرج وسيلة تربوية يُرجى نفعها، وفائدتها – كما سبق – وغالبًا ما يحتاج إليها المربي في مسيرته التربوية كما وجه رسول الله ﷺ فقال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع»(8).

2 – أن الأحكام الشرعية قد استقرت وثبتت، والاستشهاد بما سبق من التدرج في تحريم الخمر إنما هو لبيان الواقع في عهد النبي ﷺ، وهو تأصيل للممارسة التربوية والدعوية لمبدأ التدرج.

3 - إن أسلوب التدرج في التوجيه التربوي لا يعني أبدًا إلغاء الأحكام الشرعية أو التهاون فيها، لأنه يوصل في نهاية الأمر إلى تحقيق الأهداف المرجوة والمصلحة المبتغاة.

فحين يُقال لأحد الناس الذين يمارسون عادة سيئة، حاول التخفيف منها في الأسبوع الأول، ثم أقل من ذلك في الأسبوع الثاني، إلى أن يترك الأمر كله، فإن هذا الأسلوب لا يعني الإقرار بهذه العادة في أسابيع التدرج أو جوازها، إنما هي خطوات من أجل الوصول إلى الهدف المنشود وهو الامتناع النهائي لهذه العادة السيئة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة: 183-184]

(2) [البقرة: 185]

(3) [البقرة: 187]

(4) [النحل: 67]

(5) [البقرة: 219]

(6) [النساء: 43]

(7) [المائدة: 90-91]

(8) أخرجه: أبو داود (1: 82 رقم  495 ، 496 )