بحث عن بحث

القاعدة السادسة: فقه الأولويات (1-3)

ويعني هذا الفقه الاهتمام بالقواعد ثم الجزئيات، والبداية بالأهم فالمهم، وترتيب الأعمال وفق الأهمية، والحاجة، وهذا الفقه المهم من شأنه أن يضع الأشياء في مواضعها، وأن يتحقق في المخرجات التربوية التوازن، والوسطية والتكامل والشمول، ومن أهم صور فقه الأولويات:

أولاً: أولوية عقيدة التوحيد:

ذلك لأن توحيد الله تعالى في الألوهية والربوبية وفي الأسماء والصفات هي الغاية الأولى لخلق الإنسان، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(1) لتحقيق صحة الأعمال والأفعال، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا}(2).

وجاء الهدي النبوي وفق هذا المنهج والتصور، فقد كان من أولويات دعوة النبي ﷺ توحيد الله تعالى ونبذ ما دونه من الآلهة والمعبودات الأخرى المصنوعة من الشجر أو الحجر أو البشر، وكان عليه الصلاة والسلام يعلّم الصحابة هذه الحقيقة، وقد تجلى ذلك في وصيته لمعاذ بن جبل ط حين بعثه إلى اليمن حين قال: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس»(3).

فلا أولوية قبل التوحيد ولا أولوية قبل نبذ الشرك بجميع أشكاله، والحديث السابق يبين كيف أن النبي ﷺ وضع الأولوية الأولى ثم التي تليها في الأهمية وهي أداء فروض الإسلام الأخرى.

عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول الله ﷺ لأبي طالب يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله تعالى فيه {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ}الآية»(4).

وإن إهمال أولوية التوحيد أو تأخيرها عن غيرها يؤدي إلى اضطراب في الفكر وفي الحياة بشكل عام، لأن أعمال الإنسان وحركاته منوطة جميعها بعقيدته وتصوره عن الكون والحياة والإنسان، وإن أي فساد في هذا التصور يحدث فسادًا في السلوك والعمل على الأرض.

وإن معظم المظالم والآثام التي تقع على الأرض هي في الحقيقة من تبعات فساد التصور والعقيدة، والواقع العالمي يشهد على ذلك بقوة، حيث لا يمنع أصحاب العقائد الفاسدة أن يقتلوا الألوف ويشردوا الملايين ويحرموا أممًا بأكملها من أجل تحقيق مصالحها المادية ونفوذها العسكري.

وبناء على ذلك يجب على المربّي أن يبدأ بهذه الأولوية المهمة كما يجب على الدعاة والموجهين أن يفقهوا عظم هذه الحقيقة ليولوها الاهتمام المطلوب ويبنوا عليها البرامج العملية التي تغرس في نفوس المتلقين هذا الأصل، فينطلقوا في سائر أعمالهم بطريق صحيح.

 

ثانيًا: أولوية حقوق العباد على حقوق الله:

يقول أهل العلم: إن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحة.

وانطلاقًا من هذه القاعدة الشرعية فإن حقوق العباد أولى من حقوق الله تعالى، والدليل على ذلك – مثلاً – أن المسلم لا يحق له الحج وعليه دين، فعليه إيفاء الديون التي في ذمته ثم القيام بأداء نسك الحج، أو إذا استأذن الدائن وسمح له بذلك.

كما يتضح ذلك من تعظيم شأن الدَّيْن الذي هو حق من حقوق العباد، يقول عليه الصلاة والسلام: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين»(5).

ويقول أيضًا: «إن من أعظم الذنوب بعد الكبائر أن يلقى العبد ربه وعليه دَيْن لم يقضه»(6).

ويقول جابر رضي الله عنه: «توفي رجل منا فغسّلناه وحنطناه وكفَّنّاه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ فقلنا: نصلي عليه؟ فخطى خُطًا ثم قال: أعليه دَيْن؟ فقلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ، فقال رسول الله ﷺ: حقَّ الغريم، وبَرِئَ منهما الميت؟ قال:نعم، فصلى عليه»(7).

وبناء على ذلك يقدم في الوفاء حقوق العباد عند تعارضها مع حقوق الله تعالى، ولا يعني ذلك إلغاء حق الله جلّ وعلا، بل هو عظيم ولكنه تعامل مع الأولويات.

 

ثالثًا: أولوية الفرائض عن السنن:

عن ابن عمر م أن رسول الله ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان»(8).

وعن طلحة بن عبيد الله ط قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، فقال رسول الله ﷺ: «وصيام شهر رمضان» قال: هل علي غيره؟ قال: «لا إلا أن تطوع» قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة فقال: هل علي غيرها؟ فقال: «لا إلا أن تطوع»، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال رسول الله ﷺ: «أفلح إن صدق»(9).

ويختلط الأمر على كثير من الناس بالنسبة لموضوع تقديم الفرائض على السنن والنوافل، فقد ترى بعضهم يقوم الليل ويصلي ويتعب ثم ينام ولا يستيقظ إلا وقد أشرقت الشمس وذهبت عليه صلاة الفجر، وبهذا فقد أخذ بالنافلة وضيّع الفرض.

وكذا الحال بالنسبة لبعض الناس الذين يصومون النوافل من الاثنين والخميس، أو أيام البيض، ويترتب عليهم بذلك جهد وتعب، يمنعهم من القيام بما ينوط بهم من أعمال وواجبات، كالتأخير عن الدوام، أو الكسل في أداء العمل وتأخيره، لا سيما إذا كانت مصالح الناس مرتبطة به، فإنه يرتكب إثمًا بتأجيل مصالح الناس وإحراجهم في الذهاب والإياب ومراجعته لعدة أيام، والسبب هو الكسل الناجم عن صيامه للنفل، وهذه من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس، حيث قُدم النفل على الواجب.

وبناء على ذلك: فالله جلّ وعلا قدّم الفرائض على السنن وجعلها أكثر محبة له، وعليه فيجب على المربّي أن يغرسها في نفوس المتربين ليقوموا بها كما شرع الله. ثم ليأخذوا نصيبهم من السنن ما استطاعوا، ولذلك كانت الفرائض قليلة مقابل السنن، فمساحتها كبيرة ليأخذ كلٌ بما يستطيع.

إن فقه هذه الأولوية يجعل مجالاً عظيمًا لتقدم المتربي في سلّم الرقي، وفي الوقت نفسه يسلم من الزلل والسقط والتراجع.

فتلك قاعدة مهمة فالزمها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الذاريات: 56]

(2) [النساء: 48]

(3) أخرجه البخاري (2: 529 رقم 1389).

(4) أخرجه البخاري (1: 457 رقم 1294 )

(5) أخرجه مسلم (3: 1502 ، رقم 1886)

(6) أخرجه أبو داود (3: 246 ، رقم 3342)

(7) أخرجه  البخاري( 2: 308 رقم 2173)

(8) أخرجه البخاري: (1: 12 رقم 8)

(9) متفق عليه؛ البخاري (1: 25 رقم 46)، ومسلم(1: 31 رقم 109)