بحث عن بحث

القاعدة السادسة: فقه الأولويات (2-3)

رابعًا: الأولوية في الاهتمام بالكبائر عن الصغائر:

ومن فقه الأولويات معرفة الكبائر من الصغائر، وعدم الخلط بينهما، سواء عند الوقوع فيها أو الامتناع عنها، لأن كثيرًا من الناس يلتبس عليهم الأمر فلا يميزون بينهما، فيهتمون بالصغائر دون الكبائر، وبالتالي الحكم على الصغائر أحكامًا أكبر من حجمها وعلى الكبائر أحكامًا أصغر مما تستحق.

ومثال ذلك: تعظيم شأن التدخين والقسوة في التعامل مع المدخنين، والتهاون من شأن تارك الصلاة، أو تارك الزكاة، أو شأن الغيبة والنميمة وعدم الاكتراث أو الاهتمام بالخوض في أعراض الناس وعيوبهم وتنقيصهم واتهامهم بما فيهم وما ليس فيهم.

ولذلك على المربّي أن يدرك هذه الأولوية حتى لا تعظم الصغائر ولا تهون الكبائر، فهناك أكبر الكبائر، وهناك كبائر، وهناك صغائر، فلا ينكر على الصغائر أكثر من الكبائر.

 

خامسًا: الأولوية في الأعمال اليومية:

لا ينحصر ترتيب الأولويات في الواجبات الشرعية فحسب، بل إنه يتعدى إلى الأمور الدنيوية الاعتيادية التي يقوم بها الإنسان يوميًا، لأن ترتيب الأولويات أصبح من الخطوات الأساسية الأولى من أجل تحقيق الأهداف والنجاحات، والاختلال في هذا الترتيب يعطل العملية الإبداعية أو الوصول إلى الأهداف في وقتها المحدد.

فمثلاً حين يضع الإنسان أمامه ثلاثة أهداف «عبادية، وأسرية، ومالية»، فإنه في هذه الحال ينظر إلى الأهم ويبدأ به وهو العبادة، لأنها مقدمة على الأسرة وعلى المال، ومن ثم يأتي واجبه نحو الأسرة لأنها مقدمة على شأنه المالي، وأخيرًا ينظر إلى الجانب المالي، لأنه أقل أهمية من العبادة ومن الأسرة، وهكذا يكون الترتيب حسب الأولوية من أجل تحقيق الهدف المنشود، ولا يعني هذا التقديم أن يأخذ مرحلة زمنية وإنما يكون بخطوط متوازية تمشي جنبًا إلى جنب.

وهذا الوعي التربوي يحتاجه المربون والمصلحون والمشرفون على المراكز التربوية، وكذلك القائمون على وضع المناهج التعليمية والدراسية، لأن فقه الأولويات يقوّم شخصية الإنسان ويبني كيانه على نمط متوازن من الحركة والعمل في المجالات المختلفة.

 

سادسًا: الأولوية في تربية الأقربين:

وفي المجال التربوي، تبدأ التربية والتوجيه بالأقرب فالأقرب، بحيث تكون نقطة انطلاقها من داخل الأسرة مع الزوجة والأبناء والبنات، ثم الذين يلونهم من الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء، وهكذا. لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(1).

وقد بدأ النبي ﷺ دعوته وفق هذا المنهج، فبدأ بالمقربين منه من أهل بيته مثل أم المؤمنين خديجة ك، وأهله وأصحابه أمثال أبي بكر وعلي وعمر وعثمان ن، امتثالاً لقول الله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(2).

ولعل الحكمة في هذه الأولوية، أن القريب أكثر قابلية لتلقي الدعوة والتوجيه من البعيد، لأنه أعلم بالداعية أو المرّبي أكثر من غيره، كما أن الروابط الاجتماعية تكون أكثر قوة ومتانة بين الأهل والأقرباء، مما يساعد في بناء مجتمع إسلامي متماسك ومتعاون.

وقد جمع النبي ﷺ يومًا أقرباءه وخاطبهم قائلاً: «يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي: أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدالمطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار. فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها»(3).

والشاهد من السيرة النبوية، أن الذين أسّسوا النواة الأولى لدعوة النبي ﷺ كانوا بضعة من الرجال المقرّبين إليه رضوان الله عليهم.

وإن من الظواهر الخاطئة أن يهتم المربّي أو الداعية بالآخرين ويجتهد في ذلك، وفي الوقت نفسه يهمل أسرته من الأبناء والبنات والزوجة، أو الإخوة والأخوات. وإن هذا الخطأ يجعل فجوات في المسالك التربوية، ويورث خللاً في حياة المربّي نفسه، وتناقضًا في مسيرته الدعوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [التحريم: 6]

(2) [الشعراء: 214]

(3) سبق تخريجه