بحث عن بحث

 

 شبه المنكرين لحجية السنة، والرد عليهم (23)

 

هل استدراك الصحابة على بعضهم يعد كذبا ؟

وما استدرك به بعض الصحابة بعضاً فى الرواية لا يعد كذباً، كيف لا والصحابة يتفاوتون فى روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بين مكثر ومقل، يحضر بعضهم مجلساً للرسول صلى الله عليه وسلم يغيب عنه آخرون، فينفرد الحاضرون بما لم يسمعه المتخلفون، حتى يبلغوا به فيما بعد .

ومن هذا القبيل كتاب "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" للإمام بدر الدين الزركشي .

كما وقع لجماعة من الصحابة غيرها، استدركوا على مثيلهم، ونفوا ما رواه وخطئوه فيه .

ويدل على ما سبق ما رواه الحاكم عن البراء بن عازب رضي الله عنه : "ليس كلنا كان يسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب"(1).

وعن القاسم بن محمد قال : "لما بلغ عائشة قول عبد الله بن عمر مرفوعاً : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، قَالَتْ : إِنَّكُم لَتُحَدِّثُونِّىٍ عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلاَ مُكَذَّبَيِنْ وَلِكَنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ(2)

 وفى رواية قالت : "يغفر الله لأبى عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسى أو اخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية تبكي عليها فقال : ( إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب فى قبرها )(3) .

كل ذلك وغيره الكثير، يدل على ثقة الصحابة بعضهم ببعض، ثقة لا يشوبها شك ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم بالصدق، وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين وصدقت عائشة - رضي الله عنهما - :"ما كَانَ خُلُق أَبْغضَ إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب"(4)

وعلى هذا : فإذا ورد على لسان أحد من الصحابة نفى ما رواه نظيره، أو قوله فى مثيله : كذب فلان ، أو نحو هذا من العبارات، فالمراد به أنه أخطأ أو نسى؛ لأن الكذب عند أهل السنة هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه عمداً أو نسياناً أو خطأ، ولكن الإثم يختص بالعامد، كما جاء فى الحديث : "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(5)

قال الإمام النووى بعد تعريفه للكذب عند أهل السنة : "وقالت المعتزلة، شرطة العمدية ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا، فإن قيده عليه السلام بالعمد، لكونه قد يكون عمداً، وقد يكون سهواً، مع أن الإجماع والنصوص المشهورة فى الكتاب والسنة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسي والغالط، فلو أطلق صلى الله عليه وسلم الكذب لتوهم أنه يأثم الناسي أيضاً فقيده وأما الروايات المطلقة، فمحمولة على المقيدة بالعمد(6) .أ.هـ.

 


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب العلم ، باب فضل توقير العالم ( 438 ) وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .

(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجنائز،باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه3/501رقم929

(3) أخرجه مسلم فى الموضع السابق 3/503 رقم 932، وانظر : فتح البارى 3/184 حيث نقل عن القرطبى قوله : "إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوى بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون فلا وجه للنفى مع إمكان حمله على محمل صحيح .. إلخ".

(4) أخرجه الترمذي ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في الصدق والكذب ( 1973 ) وقال : هذا حديث حسن ، وأخرجه أحمد ( 6 / 152 ) وذكره الهيثمي في المجمع ( 1 / 142 ) وعزاه إلى أحمد والبزار ، وقال : إسناده صحيح .

(5) أخرجه البخاري ، كتاب الجنائز ، باب ما يكره من النياحة على الميت ( 1291 ) ، ومسلم ، المقدمة ( 4 ) وانظر : لمحات من تاريخ السنة للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة ص 73 .

(6) شرح مسلم للنووي ( 1 / 104 ) .وانظر : السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام ( 1 / 406 ــ 409 ) .