بحث عن بحث

 

رتبة السنة النبوية في التشريع (2)

 

 

رأي وجيه في المساواة بين القرآن والسنة في القيمة التشريعية:

ويقول الدكتور عبد الغني عبد الخالق مبينا أن السنة صنو الكتاب من حيث القيمة التشريعية:" من المعلوم أنه لا نزاع في أنه قد جاء في الكتاب آيات تدل علي حجية السنة فهي – بهذا المعني- فرع عنه فرعية المدلول علي الدال.

ولكن هذا لا يستلزم تأخرها عنه في الاعتبار والاحتجاج بها، بل يوجب المساواة فإن إهدارها – للمحافظة علي ظاهر آية معارضة لها- يوجب إهدار الآيات التي نصت علي حجيتها فنكون قد فررنا من إهدار آية- بل عدم المحافظة علي ظاهرها – الي إهدار آيات أخري كثيرة تدل مجموعها دلالة قاطعة علي حجية جميع ما يصدر عنه .

ولو سلمنا أن الفرعية تستلزم تأخر الفرع عن الأصل في الاعتبار فلا نسلمه علي عمومه بل:إذا لم يكن لذلك الفرع إلا ذلك الأصل، فأما إذا كان له أصل آخر يستقل بإثبات حجيته فلا استلزام ، وحجية السنة لا يتوقف ثبوتها علي الكتاب، بل يكفي في إثبات حجية جميع ما يصدر عنه عصمته الثابتة بمعجزات كثيرة في غير القرآن: شاهدها الصحابة وتواتر إلينا القدر المشترك منها"

   ثم إن التحقيق عند علماء الكلام : أن الرسول لا يشترط في رسالته نزول كتاب بل: الشرط إنما هو نزول شريعة ليبلغها الأمة وإظهار المعجزة علي يده(1)

   ويدل على ذلك أيضا : أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام إلي فرعون:ليأمره بالإيمان به والاهتداء بهديه وإرسال بني إسرائيل معه ، ولم يكن قد نزل عليه – في ذلك الحين- التوراة لأنها نزلت بعد هلاك فرعون وخروج بني إسرائيل من مصر كما هو معلوم ، ومع ذلك قامت الحجة علي فرعون بهذا الأمر: لما أقام موسى(عليه السلام) المعجزة ، فلما خالفه اعتبر عاصيا ربه ، مستحقا اللعنة والعذاب.

فحجية الوحي الغير المتلو لا تتوقف على ورود المتلو بها ،لأن كلا منهما من عند الله فكل منهما مستقل في الحجية ، والمهم في الأمر: ثبوت أن كل واحد منهما من عند الله وهذا تثبتها المعجزة- قرآن أو غيره- المثبتة لعصمة الرسول في تبليغ ما جاء به من الله تعالى .

  ولو سلمنا استلزام الفرعية للتأخر مطلقا قلنا: إنه قد ورد في السنة أيضا ما يفيد حجية الكتاب إذ لا شك أنه قد تواتر معنويا أمره وحثه على التمسك به كما في نحو قوله:" إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض"(2)

بل قلنا: إن ما كان أقل من سورة لم تثبت قرآنيته إلا بقوله : هذا كلام الله.

  فعلى هذا يقال: إن الكتاب متأخر عنها في الاعتبار.

بل الحق: أن كلا مهنما معضد للأخر ومساو له: في أنه وحي من عند الله وفي قوة الاحتجاج به ، وأنه لا يؤثر في ذلك نزول لفظ الكتاب ولا إعجازه ولا التعبد بتلاوته ولا أنه قد ورد فيه ما يفيد حجيتها.

   وحيث إنهما من عند الله: فلا يمكن الاختلاف بينهما في الواقع ويستحيل أن يوجد كتاب وسنة- كل منهما قطعي الدلالة والثبوت- بينهما تعارض مع الاتحاد في الزمن وغيره : مما يشترط لتحقق التعارض في الواقع.

     وأما أنهما قد يتعارضان في الظاهر- إذا كانت دلالتهما أو دلالة أحدهما ظنية أو كانت دلالتهما قطعية ولم يتحد الزمن-: فهذا أمر جائز واقع كثيرا وحينئذ يجب علي المجتهد اعتبارهما كما لو كان آيتين أو سنتين : حيث إنهما متساويان :فينسخ المتقدم منهما المتأخر إذا ثبت له تأخره ، ويرجح أحدهما علي الأخر بما يصلح مرجحا، ويجمع بينهما إن أمكن ، وإلا توقف إلي أن يظهر الدليل.

فأما أن نقول بإهدار أحدهما مباشرة- بدون نظر في أدلة الجمع والترجيح والنسخ: فهذا لا يصح بحال أن يذهب ذاهب إليه.

ولذلك نجد علماء الأصول والفقه : يقولون بتخصيص السنة لعام الكتاب ، وتقييدها لمطلقه ، ونسخها له ، وأنها تؤوله وتوضح مجمله ، وتبين أن المراد منه خلاف ظاهره كما يحصل من الكتاب ذلك بالنسبة للسنة .

 نعم في بعض هذه المسائل  خلافات كثيرة ولكن يجب أن يعلم أن مرجعها إلي مدارك أخري وذلك: كظنية الطريق في خبر الواحد وقطعية القرآن ، وليس مرجعها إلي السنة من حيث ذاتها ومن حيث إنها متأخرة عن الكتاب ، بدليل أن من يمنع نسخ القرآن بخبر الواحد مثلا ، يمنع نسخ السنة المتواترة به أيضا ، ويجوز نسخ القرآن بالخبر المتواتر وبالعكس ، ولو كان المدرك التأخر : لما قال إلا بنسخ السنة بالقرآن(3)

 ويقول الأستاذ عباس حماده ناصراً هذا القول:" لقد أثبت الله الاعتداد بالسنة في كثير من آيات القرآن الكريم من غير أن ترشدنا أية منها إلي تأخر السنة في الرتبة عن كتاب الله ، بل دلت آيات الكتاب الكريم علي الاعتداد ببيانها ووجوب طاعتها بمختلف الأدلة والدلالات(4)   


(1) الرسالة ص33 والآية من سورة الأنبياء /23.

(2) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك(1/93) وسكت عنه الذهبي

(3) حجية السنة ص486- 488

(4) السنة ومكانتها في التشريعص88 بتصرف