بحث عن بحث

 

 أقسام السنة من حيث علاقتها بالقرآن(2)

 

الوجه الثاني من أوجه علاقة السنة بالقرآن الكريم :

الوجه الثاني : أن ترد السنة شارحة ومفسرة ومبينة للقرآن الكريم مصداقا لقول الله سبحانه :( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  )[ سورة النحل /44 ].

وشرح السنة وتفسيرها وبيانها للقرآن يكون على عدة صور :

الصورة الأولى : تفصيل المجمل ، على معنى أن يكون في القرآن آيات مجملة فتأتي السنة لتفصيل هذا الإجمال .

مثال ذلك : أن الصلاة ذكرت في القرآن مجملة ، فقال الله عز وجل : (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ)[ سورة البقرة / 43 ]

ولم يحدد لنا عدد ركعاتها ، وأوقاتها ، وأركانها ، وشروطها ، وهيئاتها ، وسننها ، ومبطلاتها ، ونحو ذلك ، فجاءت السنة شارحة ومفصلة كل ذلك .

وكذلك الشأن بالنسبة للزكـــاة ، والصوم ، والحج ، والجــهــاد ، والمعامــلات ونحــــــوها .

الصورة الثانية : تخصيص العام (1) ، على معنى أن تكون في القرآن آيات عامة وتأتي السنة مخصصة لهذا العموم ، ومن أمثلة ذلك :

1 ـ قول الله عز وجل : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ..... )[ سورة المائدة / 3 ] ، فهذا تحريم عام لكل ميتة ولكل دم ، فجاءت السنة فخصصت من هذا التحريم نوعين من الميتة ، ونوعين من الدماء يباح أكلهما .

عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان : فالحوت والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال ) (2).

2 ـ قول الله عز وجل : ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ )[ سورة الأنعام / 82 ]

فقد فهم بعض الصحابة من هذه الآية : أن المراد بالظلم : الجور أو مجاوزة الحد ، لذلك جاءوا شاكين للنبي صلى الله عليه وسلم قائلين : وأينا لم يظلم نفسه ؟ فطمأنهم النبي صلى الله عليه وسلم : بأن الظلم المراد في الآية : هو الشرك ، وبذلك صارت السنة مخصصة للعموم الواقع في لفظ الظلم .

عن علقمة عن عبد الله ــ أي ابن مسعود ــ رضي الله عنه قال : " لما نزلت (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ) شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : أينا لا يظلم نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس هو كما تظنون ، إنما هو كما قال لقمان لابنه : (( يا بني لا تشرك بالله  إن الشرك لظلم عظيم )) " (3) .

3 ـ قول الله عز وجل :(  يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ...)[ سورة النساء / 11 ] .

فهذه الآية أفادت : أن كل والد يرث ولده ، وكل مولود يرث والده من غير تخصيص ، حتى جاءت السنة فخصصت المورث بغير الأنبياء ، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا نورث ما تركناه صدقة " (4) .

وخصصت السنة الوارث أيضا بغير القاتل ، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يرث القاتل " (5) .

كما خصصت السنة الاثنين معا بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن "(6)

فكان معنى الآية بعد التخصيص هو أن كل مورث من أب وأم يرثه أبناؤه إلا أن يكون المورث نبيا ، فإن الأنبياء لا يورثون ، وإلا أن يكون الوارث قاتلا لأصله المورث فإنه لا يرثه ، وإلا أن يختلف الدين بين المورث والوارث فإنه لا توارث عند اختلاف الدين .


(1) العام : هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له ، والتخصيص ، هو قصر العام على بعض أفراده ، انظر : الأحكام للآمدى 2 / 413 .

(2) الحديث أخرجه ابن ماجه في السنن ، كتاب الأطعمة ، باب الكبد والطحال رقم ( 3218) ، وأحمد في المسند 2 / 97 .

(3) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح ، كتاب الإيمان ، باب ظلم دون ظلم رقم ( 32 ) ، ومسلم في الصحيح ، كتاب الإيمان ، باب صدق الإيمان وإخلاصه رقم ( 327 ) .

(4) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح ، كتاب الفرائض ، باب قوله " لا نورث " ، رقم ( 6727 ) ، ومسلم في الصحيح ، كتاب الجهاد ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا نورث " ، رقم ( 4577 )

(5) الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 49 .

(6) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح ، كتاب المغازي ، باب توريث دور مكة ، رقم ( 4283 ) ، ومسلم في الصحيح ، كتاب الفرائض ، رقم

( 4140 ) .