بحث عن بحث

 

 

 السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(6)

 

 

الآية الثالثة من آيات الطاعة التي تفيد حجية السنة المستقلة.

3 ــ كما يفيده أيضا قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ شَيْءٍ ... )[ سورة النساء 59 ] .

قال الشاطبي : " إن الله قد قال في كتابه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ شَيْءٍ) وقال :( وأطيعوا الله والرسول ) في مواضع كثيرة ، وتكراره يدل على عموم الطاعة بما آتى به مما في الكتاب ، ومما ليس فيه مما هو من سنته " (1).

وقال ابن القيم : " فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله ، وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب ، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا ، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه ، فإنه أوتى الكتاب ومثله معه .... " (2).

وقال أيضا : " والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه ـ أي الموافقة والمبينة ـ والذي قال لنا :( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)[ سورة الحشر /7 ] ، هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه ، والله سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء ، كما ولاه منصب البيان لما أراد بكلامه ، بل كلامه بيان عن الله ، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه ، بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن ، ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدا : إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورهم ، وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر .

ولا فرق أصلا بين مجيء السنة بعدد الطواف وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية ، فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه العبادات على عباده على هذا الوجه ، فهذا الوجه هو المراد ، فجاءت السنة بيانا للمراد في جميع وجوهها حتى في التشريع المبتدأ ، فإنها بيان لمراد الله من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله ، فلا فرق بين بيان هذا المراد وبين المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها ، بل هذا بيان المراد من شيء وذاك بيان المراد من أعم منه(3) .

والخلاصــة : أنه قد تكرر الأمر بطاعة الله والأمر بطاعة رسوله ، وذلك ليفيد أن من قبل كتاب الله فقد قبل سنة رسوله ، ومن قبل سنة الرسول فقد قبل كتاب الله ، لأن الله عز وجل هو الذي افترض طاعة رسوله على خلقه .(4)



(1) الموافقات 3 / 22 .

(2) إعلام الموقعين ( 1 / 57 ) .

(3) إعلام الموقعين ( 2 / 313 ) ط : دار الجيل

(4) انظر : الرسالة صـ 22 .