بحث عن بحث

ذم كثرة الأسئلة

عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم».

©  أهمية الحديث:

هذا حديثٌ عظيمٌ، يحمل معاني كبيرة، يقول النووي :: هذا من قواعد الإسلام، ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ، ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام.

ويقول ابن حجر الهيثمي في شرحه للأربعين: وهو حديث عظيم من قواعد الدين وأركان الإسلام، فينبغي حفظه والاعتناء به.

©  سبب الحديث:

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: «يا أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتم، فإنما هَلَكَ من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».

©  المباحث اللغوية:

ما نهيتكم عنه: النهي: المنع.

فاجتنبوه: اتركوه ودعوه.

وما أمرتكم: ما طلبت منكم أن تفعلوه.

فأتوا: افعلوا.

ما استطعتم: قدرتم.

كثرة مسائلهم: أي أن أسئلتهم كثيرة وبخاصة فيما لا حاجة إليه.

©  توجيهات الحديث:

1-    دل الحديث دلالة صريحة أن الدين أوامر ونواهٍ؛ فالنواهي – أيا كانت – يجب الابتعاد عنها، وعدم مقارفتها، مثل: الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وتعاطي المخدرات، وأكل الحرام وغيرها.

أما الأوامر: فيجب فعلها إلا ما لا يقدر عليه المسلم فيفعل ما يستطيعه ويقدر عليه.

2-    يجب على المسلم أن يعظم حرمات الله جل وعلا فلا ينتهكها قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229].

3-    من رحمة الله تعالى أنه لم يكلف الإنسان إلا ما في وسعه، ولذلك ما لا يستطيع فعله، فلا يكلف فيه: «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وقال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن: 16].

4-    قرر أهل العلم بناء على هذا الحديث وغيره عددًا من القواعد الشرعية التي تدل على يسر هذه الشريعة وسماحتها ومن تلك القواعد:

أ – الضرورة تبيح المحظورات، فإذا نهى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم  عن شيء لكن قارب الإنسان الهلاك فيسمح له باقترافه مثل: شرب الخمر لأجل الغصّة، أو أكل الميتة للمضطر.

ب – المشقة تجلب التيسير، فإذا وصلت المشقة بإنسان مبلغها فلا حرج عليه أن يتجاوزها مثل إباحة الفطر للمسافر والمريض في نهار رمضان، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

5-    هذا الحديث دليلٌ على سماحة الإسلام ويسره فلم يكلف الناس ما لم يستطيعوا والحمد لله على تيسيره.

6-    نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم  أمر باجتناب كل نهي، لكنه علق فعل الأوامر على الاستطاعة، وهذا دليل على سعي الإسلام لاستئصال جذور الشر والفساد، فلم يجعلها حسب الاستطاعة، ولذلك لا يمكن أن يقول قائل: إنني لا أصبر على ترك شرب الخر، أو ترك الزنا.

7-    على طالب العلم أن يسأل عما يجهله أو أشكل عليه أو التبس، سؤال المستفيد المستفسر المتعلم، فقد قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7]. ويقول مجاهد :: «لا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر».

8-    ولكن يحذر من كثرة الأسئلة التي لا تفيد سائلها، أو يراد منها اختبار المسؤول، أو إحراجه، فهذا وأمثاله من المنهي عنه في الحديث فينبغي التأدب حال طلب العلم والتخلق بأخلاق العلماء الربانيين لتظهر فائدة العلم والعمل.

9-    دل الحديث على التحذير من الفرقة والخلاف، والبُعد عما يسبب ذلك من كثرة الأسئلة غير المفيدة ونحوها قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].