بحث عن بحث

حقيقة القدر

عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ط قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».

©  المباحث اللغوية:

يجمع خلقه في بطن أمه: أي يضم في رحم أمه.

نطفة: المني.

عَلَقَة: قطعة من الدم.

مضغة: قطعة من اللحم.

فيسبق عليه الكتاب: الذي سبق في علم الله تعالى، أو في اللوح المحفوظ.

©  توجيهات الحديث:

هذا حديث عظيم، حوى أمورًا كبرى، لا ينبغي للمسلم أن يغفل عنها، أو يجعلها أو يتجاهلها، ومنها:

1-   دل الحديث على الأطوار الأساسية التي يمر بها خلق الإنسان في بطن أمه وأثناء وجوده جنينًا في رحمها وهي:

أ – الطور الأول: طور النطفة وهي المني الذي يخرج من الذكر عندما يلتقي بمني المرأة أثناء الجماع. ويستمر هذا الطور أربعين يومًا.

ب – الطور الثاني: طور العَلَقَة وهي قطعة من الدم عندما يتحلل هذان الماءان فيكونان قطعة من الدم ويستمر هذا الطور أربعين يومًا.

ج- الطور الثالث: طور المضغة عندما تتطور هذه العلقة فتصبح قطعة من اللحم، ويستمر هذا الطور أربعين يومًا.

وبعد تمام مائة وعشرين يومًا يرسل الله إليه ملكًا ينفح فيه الروح، ثم يبدأ بتكوين خلق إنسان شيئًا فشيئًا حتى يكمل نموه، فيخرج – بإذن الله – قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴿12 ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿13 ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 – 14].

2-   أفاد الحديث أن نفخ الروح يكون بعد مضي مائة وعشرين يومًا من بداية الحمل. وبناءً على ذلك ذكر أهل العلم أنه لا يجوز إسقاط الجنين بعد هذه المدة، ومن فعل ذلك فقد ارتكب جناية عظمى.

3-   بين الحديث أن الله تعالى قدّر المقادير على الإنسان قبل خلقه، ولكنها سجلت عليه أثناء نفخ الروح، وذكر منها الأشياء الأساسية وهي كتابة الرزق وما يحصل عليه منه، والمدة التي سيعيشها في هذه الحياة، والعمل الذي سيقوم به، وحاله ومآله من الشقاوة والسعادة. فيجب على المؤمن أن يؤمن بذلك تمام الإيمان، وهو الإيمان بقضاء الله وقدره.

4-   قد يتساءل متسائل ويقول: ما دام الأمر كذلك فلم العمل، والحرض؟ يجيب عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه البخاري : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا وقد كتب شقية أو سعيدة»، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فميسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فميسرون لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴿5 وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5 – 6].

5-   على المؤمن أن لا يجعل القدر حجة تقعده عن العمل، فعليه بذل الأسباب والحرص والتوكل على الله تعالى، فإذا وقع شيء من القدر يخالف ما يريده، فيؤمن بذلك ويكل أمره إلى الله.

6-   الأعمال بالخواتيم، فيجب على المسلم أن يتقن أعماله، وأن يقوم بها حتى لا يفجأه الأجل وهو سادر لاهٍ في هذه الحياة فتكون خاتمته سيئة – والعياذ بالله – ومما يعينه على ذلك كثرة الدعاء بحسن الخاتمة، وسؤال الله الثبات على الدين كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».