بحث عن بحث

 

 

8- عن أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ....)(1).

        قال العلامة شبير العثماني : (إذا كان في القوم رجال متقاربون في العلم والديانة، ومتساهمون في وجوه الأفضلية، بحيث تصير الإمامة مظنة للتجاذب والتنازع، ويحتاج إلى تجشم المرجحات: فيعمل على شاكلة حديث الباب، فيقدم الأقرأ لكتاب الله، والمراد بالقراءة قراءته بفهم معانيه، وأحكامه، كما كان دأب الصحابة وغيرهم من السلف - رضي الله عنهم -، فكان قراؤهم علماءهم ، وهم المرادون بلفظ ( القراء ) في قصة بئر معونة، وغزوة اليمامة، وقراءة الكتاب بمعانيه وأحكامه لا تكاد تحصل إلا بعلم ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ومعرفة سننه، فإنه - صلى الله عليه وسلم - هو المبين لما أنزل عليه من الكتاب، كما أن علم السنة لا يتم إلا بمعرفة مآخذه من القرآن، فكان علم الكتاب وعلم السنة متساوقين، إلا أن السالكين سبل العلم : منهم من يغلب عليه القرآن ، فيشتغل به اشتغالاً متميزاً كعبد الله بن عباس، وأبي بن كعب من الصحابة - رضي الله عنهم -، ومنهم من يغلب عليه لون الحديث، فيكون أكبر همه اشتغاله واعتناؤه بمعرفة السنن وتحقيق الآثار وفقهها، بحيث يصير الحديث هو فنه ، كأبي هريرة وابن عمر - رضي الله عنهما -، فإذا كان في القوة مثل هذين الرجلين فيقدم من غلب عليه علم الكتاب، فإن تقدم الكتاب على سائر الأدلة يقتضي تقديم المشتغل به على من هو مشتغل بغيره، تنويها بشأن كتاب الله، وترغيبا في تحصيل علومه، فإن الله يرفع به أقواماً ويضع به آخرين، وإن كانوا في علم الكتاب سواء فمن غلب عليه علم السنة، فإن كانوا فيه سواء فأقدمهم هجرة ....)(2).

9- عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس في حجة الوداع فقال: (إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا : كتاب الله وسنة نبيه )(3).

10- عن عروة قال : سألت عائشة - رضي الله عنها - فقلت لها : أرأيت قول الله تعالى : (إِنَّ الصَفَاَ وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَفَ بِهِمَا) [البقرة: 158]. فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: (بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليها كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار .... وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما)(4).

       قال ابن حجر تعليقا على قول عائشة : (سن رسول الله الطواف بين الصفا والمروة): (تنبيه: قول عائشة: سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطواف بين الصفا والمروة: أي فرض بالسنة، وليس مرادها نفى فرضيتها -أي نفى فرضية هذه العبادة المشروعة– ويؤيده قولها في صحيح مسلم : ولَعَمْرِي ما أتم الله حج أحدكم ولا عمرته ما لم يطف بينهما)(5) .

11- عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيبا، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك)، وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين)(6).

      قال صاحب المرعاة : (أصبت السنة ، أي الطريقة الشرعية الثابتة بالسنة، يعني وافقت الحكم المشروع، وهذا تصويب لاجتهاده، وتخطئة لاجتهاد الآخر)(7).

12- عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سن الجزور والبقرة عن سبعة (8).

13- عن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال : ما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا إلا قد علمته ، غير ثلاث :

       1- لا أدري كان يقرأ في الظهر والعصر أم لا ؟ .

       2- ولا أدري كيف كان يقرأ – قوله تعالى :  (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عُتِيًّا) أَوْ (عُسِيًّا)؟.

        3- قال حصين – بن عبد الرحمن الراوي عن ابن عباس -: ونسيت الثالثة(9).

14- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في قصة قتل المشركين للصحابي الجليل خبيب بن عدي الأنصاري صبرا – وفيه قول أبي هريرة : (فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبراً) (10).

وفي رواية ثانية (وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبراً : الصلاة)(11).

وفي رواية ثالثة (فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو)(12).

        قال العلامة القسطلاني عند الرواية الأولى: (وإنما صار فعل خبيب سنة، لأنه فعل ذلك في حياة الشارع - صلى الله عليه وسلم - واستحسنه) (13).

       وقال عند الرواية الثانية : ( وإنما صار ذلك سنة ، لأنه فعل في حياته - صلى الله عليه وسلم - فاستحسنه وأقره )(14).

        وقال أيضاً عند الرواية الثالثة : ( واستشكل قوله : أول من سن ، إذ السنة إنما هي أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وأحواله،وأجيب بأنه فعلهما في حياته - صلى الله عليه وسلم - واستحسنهما )(15).

        وواضح من حديث أبي هريرة السابق وقصة قتل خبيب فيه : أن لفظ (السنة) ولفظ (سنَّ) معناه : الفعل المشروع المتبوع في الدين، وعلى هذا فلا يصح لمتفقه أن يستدل على سنية صلاة الركعتين عند القتل، بأن الحديث جاء فيه لفظ (سنَّ) فتكون صلاتهما سنة مستحبة، لأن حكم السنية لصلاة ركعتين هنا استفيد من دليل آخر خارج لفظ (سنَّ) بلا ريب ، وهو إقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم -لفعله.

       وكذلك يقال في تفسير حديث جابر رضي الله عنه ذي الرقم ( 12).

       أما حديث ابن عباس - رضي الله عنه - ذي الرقم (13) فناطق صريح بأن معنى (سنَّ) – أو السنة – فيه: المشروعات على اختلاف أحكامها، من فرض أو واجب أو سنة أو مندوب أو مباح ، بل يدخل في أسلوبه الحصري علم ابن عباس - رضي الله عنه - بالممنوعات أيضاً التي نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اختلاف أحكامها(16).

       وقد أصبح هذا المعنى للسنة واضحاً ومعلوماً لكل من دخل في الإسلام في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه.

 

 


(1)     أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب من أحق بالإمامة، رقم ( 673) .

(2)     فتح الملهم ( 4/20 ) ط : دار القلم .

(3)     أخرجه الحاكم في المستدرك ( 1/93) وقال : صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي .

(4)     أخرجه البخاري ، كتاب الحج ، باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله ، رقم ( 1643 ) ،ومسلم ، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به ، رقم ( 3079) .

(5)     فتح الباري 3/501.

(6)     أخرجه أبو داود ، كتاب الطهارة، باب المتيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت، رقم ( 338) .

(7)     مرعاة المفاتيح ( 1/350) .

(8)     أخرجه أحمد في المسند ( 3/335) بسند حسن .

(9)     أخرجه أحمد في المسند ( 1/257) بسند صحيح .

(10)     أخرجه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ،باب هل يستأسر الرجل " ومن لم يستأسر ،ومن صلى ركعتين عند القتل ، رقم ( 3045) 

(11)     صحيح البخاري ، كتاب المغازي، باب ( تابع لباب فضل من شهد بدراً) رقم ( 3989) .

(12)     صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان ...رقم ( 4086) .

(13)     إرشاد الساري ( 5/165) .

(14)      إرشاد الساري ( 5/261) .

(15)     إرشاد الساري ( 6/314) .

(16)     السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي ص 17.