بحث عن بحث

السنة النبوية وحي من الله تعالى

 

عرفنا فيما سبق أن السنة هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته.. إلخ فهل هذا يعني أن السنة شيء يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه ؟ أم أنها وحي أوحى الله به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ؟.

والجواب: أن الله سبحانه وتعالى قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم – معجزة الدهر ودستور الحياة – كما أوحى إليه معه بيانه الحكيم إتماما للنعمة ، ومنعاً للقول في دين الله بغير ما جاء عن الله ورسوله ، والأدلة على أن السنة وحي كالقرآن كثيرة ومتعددة منها:

1-   أنه قد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم اقترنت فيها الحكمة بالقرآن ، بعض هذه الآيات يؤكد نزولها مع القرآن ، كقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) [ سورة البقرة /231 ].

وكقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً). [ سورة النساء /113 ].

وبعض الآيات تؤكد أنها وحي مثل القرآن، كقوله تعالى: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) [ سورة الإسراء / 39 ].

وبعض الآيات تؤكد أن الله امتن على هذه الأمة ببعثة نبيها منها ، وأن من مهمته تعليمهم الكتاب والحكمة ، يقول تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..)   [ سورة آل عمران /1645 ].

ويقول تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). [ سورة البقرة / 151 ].

ويقول تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) [ سورة الجمعة /2 ].

ولذلك خاطب الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [ سورة الأحزاب /34 ]. فالحكمة تتلى في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم مع القرآن الكريم.

والذي عليه جمهور العلماء والمحققين أن الحكمة شيء آخر غير القرآن وهي ما ينطق به صلى الله عليه وسلم من كلام نافع يهدي إلى الرشد والفلاح ويأمر بهما ، ويمنع من الجهل والضلال وينهى عنهما ، ويعبر العلماء عنها بالسنة.

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه(1): (ذكر الله الكتاب ، وهو القرآن ، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول الله ، وهذا يشبه ما قال: -والله أعلم- لأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة ، وذكر الله مَنّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة ،فلم يجز –والله أعلم – أن يقال الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله ، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله ، وأن الله افترض طاعة رسوله وحتم على الناس اتباع أمره ، فلا يجوز أن يقال لقول فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله ، لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرونا بالإيمان به ، وسنة رسول الله مبينة عن الله معنى ما أراد: دليلاً على خاصه وعامه ، ثم قرن الحكمة بها بكتابه فأتبعها إياه ، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله)(2).

وقال الحسن وقتادة: الكتاب: هو القرآن ، والحكمة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم(3) وفسر ابن حزم الحكمة بأنها: (ما أوحي من السنة)(4).

وما ذكره العلماء هو عين الصواب: لأن الله ذكر الكتاب وعطف عليه الحكمة ، والعطف هنا يقتضي المغايرة: أي: أنهما شيئان لا شيء واحد ، وليس هناك شيء آخر مناسب غير " السنة " لاسيما وأنها ذكرت في مقام التفضل والامتنان من الله علينا بتعليمنا إياها ، وتزكيتنا ، وهدايتنا ، كما أنه تعالى ذكر ذلك في مقام الجزم أيضا إذ أوضح أنه لا مناص من بيان وتأكيد المعاني الشرعية التي أرادها إلا بالرجوع إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولهذا اعتبرت السنة هي المفسر الثاني للكتاب العزيز بعد الكتاب نفسه.

قال ابن كثير: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير ؟فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك: أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن ، موضحة له ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)(5) يعني السنة.

والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن(6).


 

(1)     الحكمة في اللغة على عدة معان منها: العلم والفقه ، والعدل ، والحلم ، والنبوة ، انظر: لسان العرب ، مادة: حكم ، المعجم الوسيط 1/190.

(2)     الرسالة ص 78-79.

(3)     انظر:الفقيه والمتفقه للخطيب 1/88 بتصرف.

(4)     النبذ في أصول الفقه ص 57.

(5)     الحديث أخرجه أبو داود في السنن كتاب السنة ، باب لزوم السنة (رقم 4604) والترمذي في السنن ، كتاب العلم ، باب ما نهي عنه أنه يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (رقم 2663) ، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه ، وابن ماجه في السنن ، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (رقم 13) ، كلهم من حديث المقدام بن معد يكرب.

(6)      تفسير ابن كثير 1/3.