بحث عن بحث

السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(17)

المسلك الثالث :

 أن السنة لم تتعد مقاصد التشريع القرآني ، فإن القرآن جاء لإسعاد البشرية في دنياها وآخرتها ، والسنة لم تتعد هذا ، وإنما اشتركت مع القرآن في تحقيق هذا الهدف السامي بشيء من البيان والشرح ، وذلك أن القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها ، والتعريف بمفاسدها دفعا لها ، والمصالح  تنحصر في الضروريات والحاجيات والتحسينات ومكملاتها ، والسنة لا تزيد على تقرير هذه الثلاثة ، غير أن الكتاب يأتي بها أصولا يرجع إليها والسنة أتت بها تفريعا على الكتاب ، وبيانا لما فيه منها ، فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى هذه الأقسام(1) .

مناقشة هذا المسلك :

اعترض على هذا المسلك من ثلاثة وجوه :

أولها : أنه لا يستقيم توجيهه إلا باعتبار ملاحظة المصالح في التشريع ، وهو وإن وافق فيه رأي المتأخرين من الفقهاء ، غير أنه يجد معارضة ، لأنه جعل المصالح أساسا للتشريع ، ولم يجعلها مما يمكن استظهارها ومعرفتها فقط .

وثانيها : أن هذه المصالح والأمور العامة ، قد تأصلت في السنة كما تأصلت في الكتاب ،وتفصل بعضها في الكتاب كما تفصل بعضها في السنة ، وكل منهما وحي من عند الله ، مساو للآخر في الحجية والمنزلة ، فليس لك أن تعين أحدهما للتأصيل ، والأخر للتفصيل ، أفيجوز لك على هذا أن تقول : إن الكتاب لا يستقل بتشريع الحكم ، لأن هذه المصالح قد تأصلت في السنة وتفصلت في الكتاب ؟!

وثالثها : أننا لو أسلمنا أنها تأصلت في الكتاب فقط وتفصلت في السنة فقط : أفيمكننا أن نستقل بفهم الأحكام التي لم ينص عليها تفصيلا ولا إجمالا من هذه الأمور العامة ؟! .

ولو فرضنا أن الكتاب نص نصا صريحا على هذه المصالح العامة، ولم ينص لا هو ولا السنة على تفاصيلها ـ أفيمكننا أن ندرك أن صوم رمضان واجب ، وصوم يوم العيد حرام ، وأن السارق يحد بخلاف الناهب والمختلس ، وأن حد السارق قطع اليد اليمنى في أول مرة ، وأن حد الزاني البكر جلد مائة وتغريب عام ، وحد الثيب الرجم إلى غير ذلك ؟!.

ألم تر أن المعتزلة لما ذهبوا إلى قريب مما ذهبت إليه ــ وهو قاعدة الحسن والقبح العقليين ــ اعترفوا صراحة : أن العقل قد لا يهتدي إلى بعض الأحكام ؟.

فإذا كانت هذه المصالح والأمور العامة ـ على فرض أن الكتاب نص عليها صراحة ــ لا يمكن للمجتهد أن يستقل بفهم الأحكام منها ، كانت لا تغنيك فتيلا في محل النزاع(2) .


 


(1) الموافقات ( 4/ 346 ـ 352 ) ، والسنة النبوية للدكتور عبد المهدي صــ 50 .

(2) انظر حجية السنة صـ 530 ـ 531 ، والسنة النبوية ومكانتها في التشريع صـ 132 .