بحث عن بحث

 

 

 السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(25)

 

 

المثال الثالث : تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها .

 ذكر الله تعالى المحرمات من النساء بسبب النسب والرضاع والمصاهرة ثم أردف ذلك بقوله تعالى :( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ)[ سورة النساء/23]

ثم جاء الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها )(1) .

وقد تضمن الحديث حكما بحرمة الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها ، وليس لهذين الصنفين ذكر بين المحرمات اللاتي ذكرهن الله في كتابه الكريم .

ومع تسليم الفريقين بالحكم والاحتجاج به ، إلا أنهم اختلفوا في توجيه الحديث :

فذهب الجمهور : إلى القول بأن ذلك الحديث قدر زائد على القرآن الكريم مستقل عنه بوحي غير متلو على النبي صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله تجب طاعته بحكم القرآن الكريم في كل ما ثبت عنه .

وذهب الفريق الآخر : إلى القول بأن ذلك الحديث راجع إلى القرآن الكريم ، إذ أن التحريم الذي جاء في الحديث إنما هو قياس على حرمة الجمع بين الأختين المذكور في القرآن الكريم ، لأن العلة التي من أجلها حرم الجمع بين الأختين موجودة في الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ، وهي قطيعة الرحم ، وعلى ذلك قاس النبي صلى الله عليه وسلم(2).

وقال الشاطبي في الاعتصام :" الحديث جاء بأن المرأة لا تنكح على عمتها ، ولا على خالتها ، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، والله لما ذكر المحرمات لم يذكر من الرضاع إلا الأم والأخت ، ومن الجمع إلا الجمع بين الأختين ، وقال بعد ذلك :( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ) فاقتضى أن المرأة تنكح على عمتها وعلى خالتها ، وإن كل رضاع سوى الأم والأخت حلال ، وهذه الأشياء من باب تخصيص العموم لا تعارض فيه على كل حال "(3)

فتأمل كيف سمى ذلك الحكم الزائد في السنة تخصيصا لعموم القرآن ، ولم يسمه استقلالا كما سماه جمهور العلماء ، فكان الخلاف لفظيا .


(1)صحيح البخاري ، كتاب النكاح ، باب لا تنكح المرأة على عمتها ( 5109 ) ومسلم ن كتاب النكاح ، باتب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها ( 1408 ).

(2) الموافقات ( 3 / 383 ) وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق في ذلك :" القياس دليل ضرورة ، ولا يعمل به إلا عند العجز عن معرفة حكم الله بواسطة أي نوع من أنواع الوحي ، فهو بجانب السنة لا قيمة له ، سواء أوافقها أم خالفها ، حتى السنة التي تكون ىعن اجتهاد وقياس ، فإنا لا نحتج بها حينئذ إلا من حيث العصمة عن الخطا في الاجتهاد ، أو تقرير الله له صلى الله عليه وسلم على الحكم ، ثم نقول : إذا ساغ لك أن تثبت حكما ــ لم ينص عليه الكتاب ــ بالقياس استقلالا ، أفلا يسوغ لك أن تثبته بالسنة استقلالا ! انظر : حجية السنة ص 533، 534 .

(3) الاعتصام ( 2 / 346 ).