بحث عن بحث

 السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(27)

 

المثال الخامس : لا يقتل مسلم بكافر .

لقد فرض الله القصاص في القتلى على المؤمنين ، وقال في ذلك) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى... الآية )[ سورة البقرة /178 ] .

غير أنه لم ينص على حكم المسلم إذا قتل كافرا ، فجاءت السنة بهذا الحكم.

أخرج البخاري في صحيحه بسنده إلى أبي جحيفة قال: ( قلت لعلي : هل عندكم كتاب ؟ قال: لا ،إلا كتاب الله، أوفهم أعطيه رجل مسلم ، وما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : فما في هذه الصحيفة ،قال : العقل ، وفكاك الأسير ،ولا يقتل مسلم بكافر )(1)

ومع تسليم الفريقين بهذا الحكم ، واحتجاجهما به إلا أنهما اختلفا في مخرج الحديث .

فذهب الجمهور إلى : أن ذلك حكم استقلت به السنة ، وكل ما استقلت به السنة تجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كما يطاع في السنة المؤكدة والسنة المبينة ، لأن القرآن أمر بطاعته صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة دون تخصيص المستقلة بإخراجها من الطاعة .

وذهب الفريق الآخر : إلى أن عدم قتل المسلم بالكافر منتزع من القرآن الكريم .

يقول الشاطبي: ( وأما أن لا يقتل مسلم بكافر ـ فقد انتزعها العلماء من الكتاب ، كقوله تعالى (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ..)[سورة النساء / 141 ].

ويمكن أن يؤخذ حكم المسألة مأخذ القياس ، لأن الله تعالى قال : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) ، فلم يقد من الحر للعبد ، والعبودية من آثار الكفر ، فأولى أن لا يقاد من المسلم للكافر(2).

وبمثل ما قيل في الأمثلة الخمسة السابقة ، يمكن أن يقال في جميع الأمثلة التي استقلت السنة فيها بتشريع الأحكام .

وأي مثال مما ذكرته أو لم أذكره يمكن على ضوء ما سبق معرفة مخرجه على كلا الرأيين .

رأي الجمهور : الذي يسمى كل ما جاء في السنة من ذلك استقلالا ، ويقول بحجيته بناء على الدلائل الكثيرة في القرآن الكريم الدالة على وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاعتداد بكل ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم .

أو رأي الفريق الآخر : والذي يقر بتأسيس السنة أحكاما زائدة على ما في القرآن الكريم ، غير أنه لا يسمى ذلك استقلالا كما سماه الجمهور ، وإنما يسميه بيانا ، ويدخله تحت قواعد القرآن الكريم ، ويقر بحجيته ووجوب العمل به .


(1) صحيح البخاري ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ، رقم (111) .

(2) الموافقات (4/ 403 ، 404 ) .