بحث عن بحث

 

السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(28)

الرأي الراجح بعد الموازنة :

غير أني أرجح رأي الجمهور في ذلك ، لعدة اعتبارات :

أولها : قوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة .

وثانيها : أن المسالك التي أخذ بها أصحاب القول الثاني عليها اعتراضات قوية من ناحية ، ومن ناحية أخرى وجدنا الخمسة الأولى منها في النهاية تلتقي مع رأي الجمهور ، وأن الخلاف بينها وبين الجمهور خلاف لفظي ، فما يسميه الجمهور استقلالا ، يسمونه بيانا .

وثالثها: أنه إذا كانت السنة وحيا ، وأصلا من أصول التشريع ، وحجة عند جميع المسلمين ، ورتبتها في الحجية مساوية للكتاب الكريم ، وعلاقتها بالقرآن علاقة تلازم ، إذ قد تأتي موافقة له ، وقد تأتي مبينة ، فلماذا لا تستقل إذن بالتشريع ؟!.

ورحم الله الإمام الشافعي الذي قال ـ بعد أن ذكر المذاهــب في النوع المستقل ـ :

( وأي هذا كان فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله ، ولم يجعل لأحد من خلقه عذرا بخلاف أمر عرفه من أمور رسول الله ، وأن قد جعل الله بالناس كلهم الحاجة إليه في دينهم ، وأقام عليهم حجته بما دلهم عليه :

من تبيين رسول الله معاني ما أراد الله بفرائضه في كتابه ، ليعلم من عرف منها ما وصفنا :

 أن سنته صلى الله عليه وسلم إذا كانت سنة مبينة عن الله معنى ما أراد من مفروضة فيما فيه نص كتاب يتلونه، وفيما ليس فيه نص كتاب أخرى(1)، فهي كذلك أين كانت ، لا يختلف حكم الله ثم حكم رسوله ، بل هو لازم بكل حال )(2)


(1) كلمة ( أخرى ) صفة لموصوف محذوف ، هو ( سنة ) يعني أن السنة إذا كانت للبيان فيما ورد فيه قرآن وكانت سنة أخرى فيما ليس فيه نص من الكتاب : فهي كذلك على الحالين ، طاعة الرسول فرض في النوعين " لا يختلف حكم الله ثم حكم رسوله ، بل هو لازم بكل حال " . أفاده الشيخ شاكر في تحقيقه للرسالة .

(2)الرسالة صــ 104 ، 105 .