بحث عن بحث

 

تحقيق الدكتور عبد الغني عبد الخالق لتلك المسألة (8)

 

 قال العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق - رحمه الله - "هذا وإخراج الأمور الطبيعية من السنة أمر عجيب، وأعجب منه : أن يدعى بعضهم ظهوره، مع إجماع الأئمة المعتبرين على السكوت عنها، وعدم إخراجها . ... ولست أدرى : لم أخرجها هؤلاء؟!!

 أأخرجوها : لأنها لا يتعلق بها حكم شرعي؟ وكيف يصح هذا مع أنها من الأفعال الاختيارية المكتسبة، وكل فعل اختياري من المكلف لابد أن يتعلق به حكم شرعي : من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو حرمة - وفعل النبي الطبيعى مثل الفعل الطبيعى من غيره، فلابد أن يكون قد تعلق به واحد من هذه الأحكام؟ وليس هذا الحكم الكراهة، ولا الحرمة، لعصمته وليس الوجوب، ولا الندب : لعدم القربة فيه . فلم يبق إلا الإباحة وهى حكم شرعي . فقد دل الفعل الطبيعى منه صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي، وهو الإباحة فى حقه، بل وفى حقنا أيضاً : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[ سورة الأحزاب /21 ]  .

 ولقد أجمع الأصوليون فى باب أفعاله صلى الله عليه وسلم على أن أفعاله الطبيعية تدل على الإباحة فى حقه صلى الله عليه وسلم وفى حق أمته، وكل يحكى الاتفاق على ذلك، عن الأئمة السابقين(1)

 أم أخرجوها : لأنهم ظنوا أن الإباحة ليست حكماً شرعياً؟

وهذا لا يصح أيضاً : فإن الأصوليين مجمعون على شرعيتها - اللهم إلا فريقاً من المعتزلة ذهب إلى عدم شرعيتها : فَهْماً منه : أن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل والترك(2)، وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده : فلا يكون حكماً شرعياً.

 والجمهور ينكرون : أن هذا المعنى ثابت قبل ورود الشرع، وأنه لا يسمى حكماً شرعياً ولكنهم يقولون : ليس هذا هو معنى الإباحة الشرعية، إنما هى خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل .

 ولا شك أن هذا حكم شرعي، وأنه غير ثابت قبل ورود الشرع . ولو التفت هذا الفريق إلى هذا المعنى لم ينازع فيه . فليس هناك خلاف حقيقي بينهما، فالإباحة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، والفعل الطبيعي منه صلى الله عليه وسلم يدل عليه . ونظرة واحدة في باب أفعاله صلى الله عليه وسلم في أي كتاب من كتب أصول الفقه - ترشدك إلى الحق في هذا الموضوع(3) .


 


(1) انظر : المحصول للرازى 1/501، والإحكام للآمدى 1/159، والموافقات 4/437، والإبهاج فى شرح المنهاج 2/264، والمعتمد فى أصول الفقه 1/334، والبرهان للجوينى 1/181،= =والبحر المحيط 4/176، وفواتح الرحموت 2/180، وإرشاد الفحول 1/165، ودراسات أصولية فى السنة النبوية للدكتور محمد الحفناوى ص 65، وانظر : حجية السنة للعلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص 79ـ

(2) انظر : التقرير والتحبير لابن أمير الحاج 2/144.

(3) انظر : الإحكام للآمدى 1/114، والمحصول للرازى 1/20، والبرهان للجوينى 1/106-108، وأصول السرخسى 1/14، وفواتح الرحموت 1/112، والموافقات 1/95 3/193، 293، والمستصفى 1/75، والإبهاج فى شرح المنهاج 1/60، والبحر المحيط 1/241، 275، وإرشاد الفحول 1/186، وأصول الفقه للشيخ محمد الخضرى ص 60، وانظر : حجية السنة للدكتور عبد الغنى ص 80، وآراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويماً ص152، 251، ومصادر الشريعة الإسلامية مقارنة بالمصادر الدستورية للمستشار الدكتور على جريشة ص 35 -38