بحث عن بحث

 

التأسي به صلى الله عليه وسلم في الجميع واجب (9)

 

واعلم أن التأسى به صلى الله عليه وسلم واجب، وعلى ذلك جمهور الفقهاء والمعتزلة.

يقول فخر الدين الرازي في المحصول : " قال جماهير الفقهاء والمعتزلة : التأسي به واجب، ومعناه : أنا إذا علمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل فعلاً على وجه الوجوب : فقد تعبدنا أن نفعله على وجه الوجوب وإن علمنا أنه تنفل به : كنا متعبدين بالتنفل به، وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة كنا متعبدين باعتقاد إباحته، وجاز لنا أن نفعله .

 وقال أبو على بن خلاد من المعتزلة : نحن متعبدون بالتأسي به في العبادات، دون غيرها : كالمناكحات، والمعاملات، ومن الناس من أنكر ذلك في الكل.

واحتج أبو الحسين محمد ابن على الطيب المعتزلي : بالقرآن والإجماع:

أما القرآن فقوله تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[ سورة الأحزاب /21 ]  ولم يفرق الله تعالى بين أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم : إذا كانت مباحة أو لم تكن مباحة .

 وقوله تعالى : ( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[ سورة الأعراف /158] .أمر بالاتباع: فيجب .

 أما الإجماع فهو : ( أن السلف رجعوا إلى أزواجه فى قبلة الصائم)(1)، وفى أن ( من أصبح جنباً لم يفسد صومه )(2) وذلك يدل على أن أفعاله لابد من أن يمتثل فيها طريقه(3).

 ونقل الإمام الزركشي عن الكعبي البلخي رأس طائفة المعتزلة الكعبية قوله : "المباح مأمور به، لأن فعله ترك الحرام وهو واجب، فالمباح واجب"(4) .

ويقول الإمام الشاطبي في رده على من قال : "ترك المباح طاعة على كل حال . قال الشاطبي : "بل فعل (المباح) طاعة بإطلاق لأن كل مباح ترك حرام ، ألا ترى أنه تركَ المحرمات كلّها عند فعل المباح، فقد شغلَ النفسَ به عن جميعها . وهذا الثانى أولى؛ لأن الكلية هنا تصح، ولا يصح أن يقال كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهى عنه بإطلاق، فظهر أن ما اعُترض به لا ينهض دليلاً على أن ترك المباح طاعة(5).

 ويشهد لهذا قول الإمام السرخسىفى أصوله : "ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام كما أن العمل بخلافه حرام"(6).


(1)انظر : حديث عمر بن أبى سلمة رضي الله عنه، فى صحيح مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة فى الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته 4/233 رقم 1108، وانظر : نيل الأوطار 4/210 وما بعدها .ـ

(2)انظر:حديث عائشة-رضى الله عنها-فى صحيح مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام،باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب 4/237 رقم 1110، وانظر:نيل الأوطار 4/212.ـ

(3)المحصول فى أصول الفقه 1/511،512، وقارن بالمعتمد فى أصول الفقه 1/353 - 355، والتقرير والتحبير 2/303، ونهاية السول فى شرح منهاج الوصول 2/55 وما بعدها .ـ

(4)البحر المحيط فى أصول الفقه 1/241، 4/186، والتقرير والتحبير 2/307.

(5) الموافقات 1/100ـ

(6)أصول السرخسى 2/7.