بحث عن بحث

 

 بيان معنى الحديث (11)

 

  يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين : فى ردِّه على الدكتور عبد المنعم النمر - رحمه الله تعالى –

هذا الحديث (أنتم أعلم بأمر دنياكم) هو عمدة أدلة الباحث فى بحثه :

وهذه الجملة (أنتم أعلم بأمر دنياكم) تنقسم إلى ثلاثة مقاطع :

 ـــ "أنتم" والمراد من المخاطبين .

ـــ و "أعلم" والمراد من المفضل عليه.  

ـــ و "شئون دنياكم" وتحديد المراد منها .

 وبعبارة أخرى : من؟ أعلم من من؟ وبأىشئ هو أعلم؟

هناك احتمالات فى المراد بهذه الجملة لنتصورها ثم نختار منها ما يصلح لأن يكون مراد المشرع الحكيم :

الاحتمال الأول : أنتم أيها الذين تلقحون النخل أعلم بما يصلح النخل منى وممن لا علم له بالزراعة، أى أنتم أعلم بشئون دنياكم هذه التي تباشرونها، والتي لم تنجح فيها مشورتي، أعلم منى ومن مثلى، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلاً .

 الاحتمال الثانى : أنتم أيها الذين تلقحون النخل ومن على شاكلتكم من أهل الصناعات والمهارات والخبرات أعلم بصنائعكم منى، وممن ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى : أن كل أهل صنعة أعلم بها ممن ليسوا من أهلها، كما يقال : أهل مكة أدرى بشعابها .

الاحتمال الثالث : أنتم أيها الذين تلقحون النخل بالمدينة أعلم بما يصلح النخل منى ومن غيركم من زارعي النخل فى البلاد والأزمان المختلفة، وهذا الاحتمال واضح البطلان، ففي بعض البلاد، وفى بعض الأزمان، من هم أعلم منهم بذلك .

الاحتمال الرابع : أنتم أيها الذين تلقحون النخل بالمدينة أعلم بالخبرات والصناعات المختلفة منى ومن غيرى، حتى من أهل الصناعات أنفسهم، على معنى أنتم أعلم بالطب مثلاً منى ومن الأطباء، وهذا الاحتمال واضح البطلان.

هذه الاحتمالات الأربعة مبنية على أن المراد من شئون الدنيا الصناعات والمهارات والخبرات، فإذا أردنا من شئون الدنيا مصالح كل فرد أو مصالح كل مجموعة من مباحات الدنيا؛ كالمقارنة بين شراء بيت أو شراء سيارة كان الاحتمال الآتى :

 الاحتمال الخامس : أنتم الذين تلقحون النخل بالمدينة، ومثلكم جميع الناس، أعلم بشئون دنياكم، وما يصلح لكم من غيركم، والكلام على قاعدة : مقابلة الجمع بالجمع، تقتضى القسمة آحاداً، تقول : أعطيت الطلاب كتباً على معنى أعطيت كل طالب كتاباً، فيصبح المعنى كل واحد أعلم من غيره بشئون ومصالح نفسه، وهذا الاحتمال إن صح فى المباحات، لا يصح فى الواجبات والمحرمات، فالشرع وحده هو الذى حددها على أنها المصلحة، بناء علىسبق علم الله الذى خلق .

 ثم إن هذا الاحتمال لا يتناسب مع قصة الحديث، ومما هو واضح أن الاحتمال الثانى هو المراد، ثم يليه الأول، وعلى كل حال لا يصح الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير فى المعاملات؛ لأن الحديث - كما رأينا - تطرق إليه أكثر من احتمال، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .