بحث عن بحث

  من أنواع حجية السنة من ( القرآن الكريم)

  

النوع الرابع : ما يدل على أمر الله لنبيه باتباع الوحي ودلالة ذلك على حجية السنة.

بعض الآيات الدالة على ذلك :

1- قال الله تبارك وتعالى : ( يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما، واتبع ما يوحى إليك من ربك،إن الله كان بما تعلمون خبيرا)[ سورة الأحزاب / 1-2].

2- وقال تعالى : ( اتبع ما أوحى إليك من ربك، لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين)[ سورة الأنعام / 106].

3- وقال تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون).[ سورة الجاثية / 18].

4- وقال تعالى : ( قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون)[ سورة الأنبياء / 45].

هذه الآيات، يأمر الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم باتباع وحيه لأنه لا يستطيع بيان الشريعة، ولا يمكنه أظهار أحكامها للناس إلا باتباعه جميع ما يصدر إليه من الله تعالى بطريق الوحي.

وإذا كان الرسول مأمورا باتباع الوحي لأنه الوسيلة الوحيدة للبيان والتوضيح لأحكام الشريعة عن الله تعالى، فكذلك هذا الأمر أو النهي يكون موجها أيضا إلى كل مصدق من أمة الدعوة برسالته عليه الصلاة والسلام، وواجب عليه اتباع الوحي، ومنهي عن اتباع الهوى، مثل الإيجاب، أو النهي الموجه من الله تعالى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تماما، لأن خطاب الرسول خطاب لأمته، ولا خصوصية له في الأمر باتباع الوحي، ولا في النهي عن اتباع الهوى، إذ لا فارق بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم في إيجاب اتباع الوحي، وإن كانت هنالك فوراق في العلم بالموحى به، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم بالعلم الضروري المفيد عنده علم اليقين، أن ما صدر إليه كان وحيا عن الله تعالى، منحه إيّاه، لبيان الشريعة وإظهار أحكامها، ونحن نعلم بعد التصديق برسالته أن ما يؤثر عنه من أقواله وأفعاله وتقريراته في أحكام الشريعة والدين كان مصدر علمه به عليه الصلاة والسلام الوحي بإخبار الله تعالى بذلك في كتابه الكريم، كما أن العلم بما صدر عن الرسول مختلف، فمن سمع منه ليس كمن سمع عمن سمع، وهكذا. وحيث أمره الله تعالى باتباع وحيه، ونهاه عن اتباع الهوى فيكون الأمر أو النهي موجها إلى أمته، لعموم دلالة الخطاب، وشموله له ولأمته، ولا دلالة في الأمر، أو النهي في آيات الكتاب الكريم المذكورة سابقا على الخصوصية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم له منصب الاقتداء والاتباع في كل ما أثر عنه في أحكام الشريعة.

ذلك بأنه كان المعروف عن الشارع تبارك وتعالى إذا أراد تخصيصه صلى الله عليه وسلم بأمر أو نهيه وحده عن شيء، أعلنه وبينه قرين أمره أو نهيه، مثل ما جاء في قوله تعالى : ( يا أيها النبي، إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ما أفاء الله عليك، وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي إن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين)[ سورة الأحزاب/ 50].

فلو لم يكن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم خطابا لأمته دائما لما كان للتنصيص على التخصيص في الآية من فائدة أو حاجة.

وقد عرف شمول الخطاب الموجه إليه لأمته أيضا بدلائل كثيرة منها قوله تعالى : ( فلما قضى زيد منها وطرا، زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، إذا قضوا منهن وطرا، وكان أمر الله مفعولا)[ سورة الأحزاب /37].

فلو لم يكن لأمته ما له في كل ما أمره الله به أو نهاه عنه لما كان للتعليل في هذه الآية من فائدة.

وبهذه الآية وبغيرها من الدلائل الكثيرة صار خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم خطابا لأمته في العرف الشرعي.

وبالجملة : فالأوامر في الآيات : ( اتبع ما يوحى) و ( اتبع ما أوحى)، ( جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها).

وكذلك النهي: في قوله تعالى : ( ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) دالة على إيجاب اتباع الوحي، أو تحريم اتباع الهوى على أمته صلى الله عليه وسلم لأمرين :

الأول : خطاب الرسول  صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته أمرا أو نهيا، ولا دليل على الخصوصية، وأن ذلك صار اصطلاحا شرعيا عرف من مصادر الشريعة ومواردها.

الثاني : الوحي للرسول كان بيانا للشريعة، إذ هو الوسيلة لبيانها عن الله تعالى، وقد أوجب الله عليه اتباع الوحي، لأن الموحي به بيان عن الله تعالى، فكذلك كان هذا البيان المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم واجب الاتباع، لأنه بيان لنا أيضا للشريعة، ومصدره بيان الوحي الذي تلقاه الرسول منة عن الله تبارك وتعالى.

وجه الدلالة في هذه الآيات :

على ضوء ما تقدم يمكن أن تكون الآيات في دلالتها على إيجاب اتباع الأمة لبيان الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو الوحي، من دلالة النص الظاهر، ولم تكن نصا محكما، لأن الوضع اللغوي يفيد أن المأمور بشيء عليه وحده اتباعه، وشمول الأمر لغير المأمور به جاء من اصطلاح الشرع ( خطاب الرسول خطاب لأمته)، لا من اللغة، لأن الأمر أو النهي تجاوز المأمور به إلى غيره، وأفاد الشمول للأمة من الاصطلاح الشرعي فقط.

وهذه الدلالة عند الشافعية: ظنية راجحة، رجحها اصطلاح الشرع، ومنصب الرسول في الاقتداء به.

وكذلك عند الحنفية: الأمر أو النهي دلالة اللفظ فيهما على شمول الأمة، جاء من الاصطلاح الشرعي أيضا، وصار احتمال قصره على المخاطب به وحده وهو الرسول صلى الله عليه وسلم احتمالا مرجوحا.