بحث عن بحث

 دليل حجية السنة من الإجماع

 

ثالثا : دليل حجيتها من الإجماع :

 

أجمعت أمة الإسلام من الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – والتابعين والأئمة المجتهدين وسائر علماء  المسلمين من بعدهم إلى يومنا الحاضر وإلى أن يرث الله

الأرض ومن عليها، على حجية السنة النبوية ووجوب التمسك بها والعض عليها بالنواجذ، والتحاكم إليها، وضرورة تطبيقها، والسير على هديها في كل جوانب حياة المسلمين، ولم يمار في هذه الحقيقة الساطعة إلا نفر ممن لا يعتد بخروجهم على إجماع الأمة من الخوارج والروافض، ومن أحيا مذاهبهم من دعاة الإلحاد في عصرنا.

قال الإمام الشوكاني : " إن ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لاحظ له في دين الإسلام "(1).

 

وقال الإمام الشافعي – رضي الله عنه – : " لم أسمع أحد نسبته عامة أو نسب نفسه إلى علم – يخالف في أن فرض الله في إتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه: بأن الله – عز وجل – لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا، في قبول الخبر عن رسول الله واحد "(2).

 

وقال أيضا : " أجمع الناس على ان من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس "(3).

 

هذا الكلام من الإمام الشافعي قد اشتمل على أمور :

 

الأول : أن اتباع أمر الرسول، والتسليم لحكمه واجب.

الثاني : أنه لا يلزم قول – بكل حال – إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تبع لهما.

الثالث : أن الله قد أوجب على من في عصر الشافعي، وعلى من بعده ومن قبله : قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاما - : يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينياً على وجوب اتباع الرسول وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ولكن،، إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف :

 

أحدها : عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.

الثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.

الثالث : اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ(4).

 

نعم هناك من ينسب نفسه إلى العلم، وينكر حجية السنة من حيث ذاتها.

ولكنا إذا بحثنا في أمره، ونبشنا ما انطوت عليه سريرته وجدناه أحد ثلاثة :

 

أولهم : رجل دخيل في الدين ليس بمؤمن، بل هو زنديق يخفي كفره، ويظهر الإسلام ليحدث الشبه في أصوله، روماً للكيد له ولأهله، وتقويض أركانه وهدم أساسه. وهو يخشى أن يجاهر المسلمين بالطعن في دينهم والقرآن الذي هو أساسه وأساس جميع أدلته – فيجيئهم من ناحية أخرى وهي الطعن في السنة التي لولاها لما فهم الكتاب، ولتعطلت أحكامه وقوانينه، وبهذا يصير وجوده كالعدم، ويكون ألعوبة في أيديهم يفسرونه ويؤولونه على حسب أغراضهم وأهوائهم زاعمين أنهم قادرين على فهمه، مظهرين التمسك بنحو قوله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء)[ سورة الأنعام / 38] وقوله تعالى : (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)[ سورة النحل / 89].

 

وذلك الحق الذي أريد به الباطل فهو قد حوى كل الشريعة، وهو الأساس لجميع قوانينها وأحكامها، وسنبين فيما بعد – إن شاء الله – أن هذا لا ينتج لهم ما يقصدون إليه من الباطل، ويرومونه من إبطال حجية السنة.

 

وثانيهم : رجل أظهر كفره علانية، وكشف النقاب عن وجهه، وذلك كمن يقول : إن جبريل أخطأ بالرسالة على محمد صلى الله عليه وسلم، والنبي حقيقة هو علي – رضي الله عنه  .

 

وثالثهم : رجل آمن يرجو الوصول إلى الحق، وعبادة ربه على الوجه الصحيح، إلا أنه غر العقل، تتجاذبه الآراء يميناً وشمالاً، وخلفاً وأماماً.

 

فتزين له شياطين الملاحدة، ورؤساء الزنادقة – " المتظاهرون بالتمسك بالدين، والعطف عليه، والذب عنه" – أرائهم الفاسدة، ومذاهبهم الباطلة، بذلاقة ألسنتهم ومظاهر صلاحهم الكاذبة، ويدلون إليه بما يسمونه حججاً وبراهين، ويلبسون الحق بالباطل زاعمين المحافظة على الدين، وتحريره من مذاهب المبتدعين، فيأخذ تلك الآراء منهم بحسن نية، وسلامة طوية، معتقداً صحتها وقوة شبهها، داعيا إليها، مجتهداً في الذب عنها، غير متبين ما فيها من خطأ وإلحاد، وما ينجم عنها من شر وفساد، ولأمر ما قيل : " عدو عاقل، خير من صديق جاهل".

ولا شك أن مثل هؤلاء لا تؤثر مخالفتهم في انعقاد إجماع المجتهدين على حجية السنة، ووجوب العمل بها حتى صارت من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة(5).

 

 


 


(1) - إرشاد الفحول 1/158.

(2) - إعلام الموقعين 2/364.

(3) - المصدر السابق 2/361.

(4) -رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص22-23.

(5) - حجية السنة ص343-345.