بحث عن بحث

حوار مع سماحة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز آل عقيل وفقه الله

 رئيس مجلس القضاء الأعلى سابقا في المملكة العربية السعودية

أجرى اللقاء مع سماحته موقع شبكة السنة النبوية وعلومها

 

1. حبذا لو تعرفوا في بداية هذا اللقاء رواد الموقع عن شخصكم الكريم: المولد، النشأة، بداية طلبكم للعلم، أشهر شيوخكم، رحلتكم الدعوية، المناصب التي عملتم فيها، إنتاجكم العلمي؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فأنا: عبد الله بن عبد العزيز بن عَقيل العَقيل، وُلدت في عنيزة سنة 1335، ونشأت بها في كنف والدي رحمه الله، وكان من مشايخ عنيزة وشعرائها وأدبائها المعروفين، فتعلمت الكتابة ومبادئ العلوم على يديه، وعلى يد أخي الشيخ عقيل قاضي العارضة.

ثم دخلت كُتّاب المطوع عبد العزيز بن دامغ، في مسجد أم حمار، ولما فُتحت مدرسة الأستاذ صالح بن صالح في البرغوش سنة 1348 دخلت معهم في الفوج الأول، وتعلمت فيها ما شاء الله، إلى أن فتح شيخنا عبد الله القرعاوي مدرسة في جانب بيته في سوق الفَرْعي، وذلك بعد قدومه من الهند، وجعل التعليم مجاناً، وكان يعلم في مدرسته العلوم الشرعية والتربية على نمط المدرسة الرحمانية الشهيرة التي درس فيها هناك، فأدخلني الوالد مدرسته، لأنه يعلّم الناس العلوم الشرعية: الفقه والحديث والتفسير والنحو، مع بقية العلوم الأخرى التي تُعلّمها المدارس، فاستفدنا منه علوما وآدابا وأخلاقا، وحفظنا عنده عددا من المتون.

بعد ذلك التحقت في دروس الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وهو شيخنا وأستاذنا ومعلمنا، وذلك في سنة 1349، وتعلمنا عنده علوماً كثيرة، من الفقه والتوحيد والتفسير والنحو وغيرها.

ودرست على غيره من علماء بلدنا عنيزة، مثل قاضيها الشيخ عبد الله بن مانع، والشيخ محمد بن علي التركي، والشيخ سليمان العمري، وأخذت منهم الفقه والعقيدة وغيرهما، بل أدركت الشيخ صالح القاضي واستفدت من خطبه ودروسه بعد الصلوات، في مشكاة المصابيح والتفسير.

بقيت أطلب العلم في عنيزة إلى آخر سنة 1353، عندما أوعز الملك عبد العزيز رحمه الله لشيخنا الشيخ عمر بن سليم رحمه الله رئيس قضاة القصيم بأن يختار عدداَ من طلبة العلم والمشايخ ليكونوا قضاة ودعاة وأئمة وخطباء في منطقة جازان، فكنت فيمن اختارهم،وكان منهم عمي الشيخ عبد الرحمن بن عقيل، فسافرنا مع الشيخ عمر بن سليم رحمه الله للحج سنة 1353، وحججنا مع الملك عبد العزيز، وقابلناه مراراً، وحضرنا مجالسه رحمه الله ودروسه التي كان تُلقى في مجلسه بعد صلاة العشاء، وقرأنا هناك على شيخنا ابن سليم مدة بقائه في مكة من ذي القعدة 1353 إلى ربيع الأول 1354.

ثم بعد ذلك سافرنا مع عمي إلى جيزان، فتولى القضاء هناك، وكنت أساعده وأقوم بالوعظ والإرشاد، وبقيت إلى سنة 1357.

وبعدها رجعت إلى عنيزة، وواصلت دراستي على شيخنا ابن سعدي، وقرأت في الحديث على شيخنا المعمر علي بن ناصر أبو وادي، وأجازنا بمروياته، وبقينا في عنيزة إلى رجب سنة 1358.

وبعدها أُلزمت بالقضاء في جيزان بعد استعفاء عمي الشيخ عبد الرحمن، وبحمد الله استطعت في قصة طريفة أن أحوّر التعيين من قضاء جيزان إلى قضاء أبي عريش، وبقيت فيها قرابة ست سنين، ومنها تنقلت في وظائف قضائية على ما هو مفصل في ترجمتي المذكورة في ثبتي "فتح الجليل".

وملخصها: أنني توليت قضاء أبي عريش من سنة 1358 إلى سنة 1364، تخللها عدة أشهر في قضاء فَرَسان، ثم عدت لعنيزة أطلب العلم على شيخنا ابن سعدي، ثم توليت قضاء الخرج سنة 1365، ثم قضاء الرياض من سنة 1366 إلى 1370، ثم قضاء عنيزة إلى سنة 1375، حيث عينت في دار الإفتاء بالرياض عند شيخنا سماحة المفتي محمد بن إبراهيم، وبقيت ألازمه في العمل، ثم بعد وفاته رحمه الله تعينت سنة 1391 في هيئة التمييز، وبعد سنة لما تأسست الهيئة القضائية العليا عينت عضوا فيها، إلى أن تشكل مجلس القضاء الأعلى سنة 1395، فتعينت عضوا فيه وفي الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى، وأنوب عن رئيسه شيخنا عبد الله بن حميد في حياته وبعد وفاته رحمه الله سنة 1402 مدة حتى كُلف وزير العدل بالرئاسة، وتقاعدت سنة 1406، ثم رأست الهيئة الشرعية بمصرف الراجحي منذ تأسيسه سنة 1409 إلى الآن، وهناك أعمال أخرى مذكورة في ترجمتي.

وأما الإنتاج العلمي فقد انشغلت بالوظائف ثم بالتدريس عن التأليف، ولي رسائل ومؤلفات أكثرها مخطوط، ومما طبع: الفتاوى في مجلدين، ورسالة في حكم الصلاة على الراحلة، كما طبعت رسائل شيخنا ابن سعدي التي كتبها لي، باسم الأجوبة النافعة، ومنها محاضرة طبعت بعنوان: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي كما عرفته.

وخرّج لي بعض طلابنا رسائل وأربعينات في الرواية الحديثية، منهم الشيخ محمد زياد بن عمر التكلة، ألف كتابا كبيرا في ترجمتي وثبت مروياتي، اسمه: فتح الجليل، وله رسالة مختصرة في مروياتي اسمها النوافح المسكية، ومنهم المشايخ: صالح العصيمي، ومحمد بن ناصر العجمي، وبدر العتيبي، وباسل الرشود، جزاهم الله خيرا.

وجمع أخونا الشيخ محمد زياد عدداً من مقالاتي والمقابلات التي أجريت معي وأعدها للطبع.

وطبع الشيخ الدكتور وليد المنيس كتابين عن وقائع رحلاته إلي مع زملائه من مشايخ الكويت، أسمى الأول بالإكليل، ثم ألحقه بكتاب: التكميل.

أسأل الله أن ينفع بهذه الجهود ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.

 

2. ما هي نصيحتكم لطا لب العلم المبتدىء؟

نصيحتي أولا وآخرا تقوى الله تبارك وتعالى، والحرص على البداءة بالقرآن الكريم حفظا وتدبراً، ويبدأ على المشايخ بالسلّم العلمي التدريجي المعروف، ويعتني بالمتون، والتحضير للدروس، فبها يحصل الفهم والتحصيل وترسخ المعلومات، ويصبر على الطلب، ولا يستعجل النتائج.

وعليه بحفظ الوقت، فهو رأس مال المرء، كما قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله:

الوقتُ أنفسُ ما عُنيتَ بحفظه            وأراه أسهلُ ما عليك يَضيعُ

وعلى طالب العلم التحلي بالأخلاق الحسنة، وبذل النصح للجميع، والحرص على نفع إخوانه، فالعلم كما قال الشاعر:

يَزيد بكثرة الإنفاق منه           ويَنقص إن به كفًّا شَددتا

وعليه بالعمل بما علم، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، وقالوا: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.

ويحذر من الرياء والكبر والعجب، فإنها وبال على صاحبها، وتقود للحرمان والخسران.

 

3. إن الفقيه الملم بعلم الحديث رواية ودراية تجده أقرب إلى موافقة الصواب.  ما هو توجيهكم لطلاب العلم في الاهتمام بالسنة؟

إن العلم الشرعي يعتمد على الكتاب والسنة، فبقدر علم الإنسان فيهما تكون منزلته، والتفقه دون العناية بالدليل يعتبر علما ناقصا، بل هو تقليد محض، ولا يميّز المقلّد بين الخطأ من الصواب من كلام العلماء، لأنهم رحمهم الله بشر غير معصومين.

ثم إن تطلب الدليل يقتضي معرفة الصحيح من الضعيف.

ولذلك فعلى طالب العلم أن يهتم بمعرفة دليل المسألة وتعليلها، ويهتم بصحة الحديث والأثر، ويستعين بمصنفات وتخريجات العلماء الذين خرجوا الأحاديث الفقهية، ومنهم الألباني في إرواء الغليل وغيره.

 

4. الصحابة رضي الله عنهم الذين عاصروا التنزيل ولازموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر هم أعلم من غيرهم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أهمية قول الصحابي في الترجيح؟

قال العلماء إن الراوي أدرى بمرويه، وهذا واضح، فالصحابي هو شاهد وقائع التشريع، ورأى ملابسات الحادثة، أو سمعها من غيره من الصحابة، وهم القرون المفضلة، وأقرب الناس بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ورأوا التطبيق العملي للسنّة وكيف كان التعامل معها واقعيا، ثم فيهم من الديانة وصفاء النفس واللغة ما يفوق مَنْ بعدَهم، رضي الله عنهم وأرضاهم.

 

5. يهتم بعض طلاب العلم  ويسعى جاهداً في الحصول على الإجازات من الشيوخ، ونعلم أن لكم في هذا اهتمام مميز، ما قيمة هذه الإجازات في مسيرة الطالب العلمية؟

الرواية من سنن السلف وطرائق أهل العلم قديما وحديثا، وهي أنواع كما هو مفصّل في المصطلح، وأعلاها القراءة والسماع، وهذا أكثر ما ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم، وهو الأنفع، ومن أنواعه الإجازات، وطالب العلم يقدّم الأهم على المهم، فيصرف همّته أولا إلى العلم الشرعي، ثم يأخذ الرواية ولا يجعلها أكبر همّه، ولا يكتفي بمجرد الرواية فقط، أو تعدد الإجازات، بل يهتم بالدراية.

والإجازات إن صدرت من عالم معروف مهتم بالسنّة لطالبٍ لازمه طويلا وحصّل عنده تُعتبر أشبه بالتزكية العلمية، وما كان سوى ذلك فهي رواية تحمّل.

وأنا لم أهتم لها كثيرا أول الأمر، فأول ما أخذت الرواية بحديث المحبة فقط من شيخنا القرعاوي قبل ثمانين سنة، في 10 شعبان سنة 1349، هو ابتدأنا، ثم أجازنا بعد ذلك بمدة، وكانت إجازة شيخنا أبو وادي بسعاية شيخنا عبد الله المطرودي رحمه الله، ولم يكن مشايخنا يولون الإجازات عناية كبيرة، وغالب إجازاتنا تأخرت عن ذلك، مثل إجازة الشيخ عبد الحق الهاشمي رحمه الله، ومَن بَعده.

  

6. إن الأمة الإسلامية تواجه اليوم تحديات ومؤامرات وكيد وتشويه لدينها ونبيها بل لقرآنها قد تترك أثراً سلبياً على بعض أفراد أبنائها ما توجيهكم حيال هذه الحملات؟

منذ بزغ نور الإسلام ومنذ أكرم الله البشرية ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والأعداء لا يفترون عن محاربته والكيد له بشتى الوسائل، ولكن الله حافظٌ دينه، وسيبقى قائماً حتى تقوم الساعة إن شاء الله، وسبيل النجاح والفلاح هو الاعتصام بحبل الله جميعا، وعدم التنازع، وإعداد القوة بجميع سبلها، ومنها العلم الشرعي والدعوة؛ وتنبيه المسلمين وإعادتهم إلى المحجة البيضاء، على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتصفية الدين من كل الشوائب الدخيلة من بدع وأفكار، وتزكية الأنفس، فالأعداء لا يحاربوننا بسلاح الجيوش فقط، بل بسلاح التجهيل والشهوات والشبهات والغزو الفكري، ولكن الله ناصر دينه ولو كره الكافرون.

 

7. كلمتكم الأخيرة لرواد الموقع؟     

أدعوهم أن يبذلوا وسعهم لكل ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، من طلب العلم، والدعوة إلى الله، والصبر على المبدأ.

وأشكرهم على متابعتهم لهذا اللقاء، وأرجو أن لا ينسوني من صالح الدعوات، وأسأل الله لي ولهم حسن الخاتمة، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، وأستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تم إضافة اللقاء يوم الاثنين  1 / 9 / 1429 هـ

 

                                                            أجرى الحوار

                                                          سليمان الحرش