بحث عن بحث

 

 

الردود الذكية على من جوز بناء الكنائس في السعودية

 

عبد العزيز بن سعود الصويتي

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على إمام المرسلين...أما بعد: لقد قرأت عشرات الكتابات- من كتب ومقالات- في حكم بناء الكنائس على أرض بلاد الحرمين الشريفين،ولم تكن تلك الكتابات ينقصها شيء من الناحية العلمية لاسيما والإجماع منعقد على تحريم بنائها باتفاق العلماء كافة. ولكنني سأحاول بيان بعض الحِكَم من تحريم بناء الكنائس والبيع والصوامع وغيرها مما يدعى فيها غير الله أو يشرك فيها معه أحد ؛وذلك بتفنيد شبه النصارى و اللبراليين والغالطين في هذه المسألة وما شاكلها من المسائل التي يتوهم المثقفون أنها جارية على خلاف صريح المعقول!! تمهيد: ليس ثمة مسألة من مسائل الدين جاءت مخالفة لصريح المعقول كما صرح بذلك علماء الإسلام كشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم -رحم الله الجميع- لكن الخلل يقع أحيانا في عدم صحة النص أو في سوء الفهم له أو في ضعف العقل عن إدراك الحكمة منه! وكان بعض العلماء يرفعون راياتهم البيضاء حينما يظنون أن نصا جرى على خلاف مجرى غيره من النصوص فيقولون:على خلاف القياس!! ثم يأخذون بالحكم الذي يوافق النص ، ويتهمون عقولهم وقياسهم ويسمونه: اسحسانا كما يفعل الأحناف. لكن خلف من بعدهم خلف تركوا النصوص وراءهم ظهريا ، وقدحوا في حجية الإجماع برمته من أجل ما يتوهمونه من مخالفتهما لعقولهم الخارقة ، و نفوسهم المستقيمة، .." وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ " *غير أنه من أهل العلم الأجلاء من يرد على دعاة بناء الكنائس بما لا يحصل به المقصود أو يحصل به بعضه كمن يجيب على من يسأله عن السبب في عدم إذن المملكة ببناء الكنائس بأن روما لم تأذن ببناء المساجد على أرضها!! وهذا الرد لا يحصل به المقصود ؛ إذ يلزم منه أن روما لو أذنت لوجب على المملكة أن تأذن !! ، ومنهم من يجيب بوجود خاصية لهذه البلاد دون غيرها وهذا الرد لا يحصل به كل المقصود ؛ إذ يلزم منه الإذن لغير هذه البلاد ببناء الكنائس!!! والجواب عن هذه الشبهة ينتظم في أمور خمسة: الأمر الأول:أن أصل هذه الشبهة هو قياس الإسلام على النصرانية بجامع أن كلا من هذين الدينين له أتباع يعتقدون صحته!! وعليه فما سمحت به النصرانية يلزم دول الإسلام أن تسمح به!!! وهذا كما ترون من أفسد القياس وأبشعه؛ إذ من أبسط شرائط القياس أن يكون الأصل المقيس عليه صحيحا متفقا عليه بين الطرفين...وهذا ما لا يتوفر في دين النصرانية. ثم كيف نجعل الإسلام الذي هو الأصل الذي لاشك فيه يقاس على غيره كأنه فرع وغيره من الأديان الأخرى أصل؟؟؟؟ ومن المقطوع به أن رتبة الفرع أنزل من رتبة الأصل!! ثم إن لهذا القياس الفاسد نظائر كثيرة: لماذا لا نفتح على أرض بلادنا مراكز لدعاة التنصير؟؟ ولماذا لا نسمح بالمطبوعات والكتيبات التنصيرية؟؟ ولماذا لا يمارس النصارى على بلدان المسلمين ما يرونه صحيحا كما يسمح للمسلمين بممارسة ما يرونه صحيحا؟؟ وغيرها كثير..مما يهدم الإسلام من أصله!! ثم لماذا لا نعكس القياس-جدلا- فنقول: لماذا لا يسمح لبلدان المسلمين بالتدخل في بلدان الكفار فضلا عن بلدان المسلمين كما سمحوا لأنسهم بذلك؟؟ ولماذا تمتلك هذه الدول حق الفيتوا ولا تمتلك الدول المسلمة حقوقها الخاصة فضلا عن حق الفيتوا؟؟ ولماذا يسمح للدول الكافرة ومن ضمنها إسرائيل بامتلاك السلاح النووي وتحرم الدول المسلمة ذلك؟؟ وغيرها ذلك كثير.. والحاصل: أن هذا القياس من أبطل الباطل وأمحل المحال..وهو أشد فضاعة ممن يقيس الخمر على اللبن بجامع أن كلا منهما شراب يعتقد بعض الناس إباحته وجواز شربه ، وقد بين النبي- صلى الله عليه وسلم- أن الخمر سوف يستحل من بعض الناس كما روى البخاري وغيره من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" وحديث عبادة -رضي الله عنه-أن النبي- صلى الله عليه وسلم-قال:"ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها"رواه أحمد وغيره فإذا تقرر بشاعة من يقيس الخمر على اللبن!! فكيف بمن يقيس الإسلام على خمور الكفر والوثنية؟؟ كيف يقيس الدين الذي لم يدخله تحريف على الدين الذي دخله التحريف والتغيير؟؟ روى البخاري وغيره أن النبي-صلى الله عليه وسلم – لما صعد به إلى السماء خير بين الخمر واللبن قال:فاخترت اللبن. فقيل لي: أصبت الفطرة!!"

 الأمر الثاني: أن العقلاء متفقون على عدم تمكين الظلم والظلمة من بلدانهم ،ولهذا يمنعون القتل والسرقة والاغتصاب وغيرها من الجرائم التي يكاد يتفق عليها الجميع وهناك جرائم أخرى فيها اختلاف من دولة إلى أخرى ولا تثريب على أي دولة تمنع الظلم الذي تراه ، وعندنا أهل الإسلام أن الكفر بالله تعالى أعظم الظلم وأقبحه وأبينه كما قال تعالى:" وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ "وقال تعالى :" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " ومن أبسط حقوق الدولة أن تمنع ما تراه ظلما فضلا عن أن يكون أعظمه وأشنعه؟؟ فكيف يلزموننا بإقرار ما نراه أعظم الظلم وأقبحه وأبينه؟؟ ومما يوضح الظلم القبيح في النصرانية وغيرها من الأديان المحرفة هو مقابلتها الإحسان بالإساءة، والجميل بالنكران، والمعروف بالمنكر ، حيث أن الله سبحانه خلقهم ومنّ عليهم بنعمة العقل والصحة وغيرها وهذا باعترافهم!! فكيف يشركون به في العبادة؟ بل ويدعون غيره؟؟ ويشكرون سواه بل ويتهمونه-سبحانه- بالنقص والتقصير وغير ذلك من الصفات القبيحة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا إن لم تكن هذه الأمور ظلما فأي شي هو الظلم؟؟ بل لو أحسن إليك مخلوق بألوان من الإحسان ثم قابلتها بالإساءة إليه لكنت بذلك في عداد الظالمين!! مع أن إحسانه إليك يظل قاصرا من وجوه كثيرة! فكيف بمن يحسن إليك الإحسان الكامل الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه!! ابتداء من خلقه إياك ونعمه عليك وحفظك من الأخطار...ثم تتنكر عليه، وتقابل الإحسان بالكفران.."وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان" الأمر الثالث: أن إلزام المملكة العربية السعودية ببناء الكنائس بحجة أنهم سمحوا ببناء المساجد بصرف النظر عن واقع هذه الكنائس لأمر يدعوا للعجب!!! إذ أنه من البديهي جدا أن السماح ليس مبررا للسماح ألبته ؛ إذ لكل قوم ما يختصون به من مرغوب ومرهوب ، ولو أن بلدا سمحت بممارسة القتل والعدوان على أرضها فهل يكون هذا مسوغا لها أن تلزم غيرها بأن تفتح أراضيها لتكون مسرحا للقتل والعدوان؟ وهاهي بلاد الكفر تسمح بشرب الخمور ومعاقرة النساء فهل يكون هذا مبررا بإلزام غيرهم بذلك؟؟؟ الأمر الرابع: أن الحديث عن بناء الكنائس فرع عن صحة دين النصارى! خاصة أن هذا الفرع مستلزم للأصل ، ومن غير المنطقي أبدا أن نتحدث عن فرع متعلق بأصل لا ينفك عنه ونترك الأصل!! ، وإذا كان كذلك ، فالمفترض أن يكون النقاش عن الأصل ومدى صحته أو بطلانه وهو أن نتحدث عن النصرانية ومدى صحتها أو بطلانها!! الأمر الخامس: اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون جزيرة العرب-مهد الرسالة ، ومهبط الوحي ، وقبلة المسلمين..-اقتضت أن تكون لها مزية دون سواها من بلاد المسلمين بحيث لا يجتمع فيها دينان ولا يسمح فيه بإقامة دائمة لغير المسلمين!!" "وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" وقوله تعالى:" يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ " وهذا الاختيار والتخصيص من براهين ربوبية الله تعالى ؛ لأنه المالك المتصرف في ملكه وقد اختص هذه الجزيرة بمزية دون سواها كما اختص فردوسه من سائر جنانه واختص السماء السابعة من سائر سماواته واختص من الملائكة والبشر رسولا ومن الجن منذرين وغير ذلك انظر: زاد المعاد - (1 / 47) ولهذا لم يسمح الإسلام بإقرار أي كنيسة ولا صومعة ولا معبد من معابد غير المسلمين كان موجودا قبل ورود الإسلام عليه في هذه الجزيرة كما لم يسمح باستحداث كنائس ومعابد فيها وفي غيرها من بلدان المسلمين!!. تلك خمسة أمور ظهرت لي وما خافي من الحكم والمنافع أعظم والله المستعان وعليه التكلان. وأسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل بكتابه العظيم ، وسنة نبيه –صلى الله عليه وسلم-الكريم، وأن يرد ضال المسلمين ، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه...والله تعالى أعلم.