بحث عن بحث

وفي ظني أن تعريف د. نور الدين عتر أقرب التعاريف للمراد، على إعواز فيه من جهتين - فيما ظهر لي -:

1-         لم يذكر ما تعارض مع الحقائق التاريخية، كأن يأتي حديث يخالف ما علم من حث التاريخ.

2-         لم يتضمن التعريف ما إذا تعارض الحديث مع الإجماع، وهذا إشكال.

وعليه يمكن استدراك ما سبق، وتعاد صياغة التعريف على النحو الآتي:

هو الحديث المقبول الذي خفيت دلالته أو تعارض ظاهره مع نص أو قاعدة ثابتة أو حقيقة تاريخية.

أما تعريف السماحي فهو تعريف جيد مؤد للغرض إلا أن لي عليه ملحظين:

1-         من جهة لفظه، فهو غير سلس، والتعاريف ينبغي فيها مراعاة سهولة العبارة لثبوتها في الذهن، وسرعة تصورها وفهمها.

2-         ينبغي أن يعدل عن قوله (ولكنه عورض) ليصبح: (ولكن عورض ظاهره...إلخ).

أما تعريف د. خياط، فيلحظ عليه - فيما ظهر لي - أمران:

1-         تعبيره بالجمع (أحاديث مروية..)، وهو يعرف (مشكل الحديث)، وقد يكون الإشكال في حديث بعينه.

2-         لم يذكر معارضة الحديث لنص أو دليل شرعي آخر، وهذا من صميم (مشكل الحديث) فإغفاله في التعريف يضعفه.

أما تعريف د. الجوابي فيمكن نقده في أمرين أيضاً:

1-         لم يذكر معارضة الحديث للقواعد الشرعية الثابتة أو العقل أو الحقائق التاريخية.

2-         الجزم بالمعارضة والأولى أن يعبر  فيقول: "... بدا ظاهره معارضاً..".

وينبغي أن يعلم أن غالب من تكلم على هذا النوع سماه (مختلف الحديث) كما في كتاب ابن الصلاح ومن بعده، ومن سبق ابن الصلاح كالحاكم فلم يذكر له اسماً، وأما الخطيب البغدادي فقال: "باب القول في تعارض الأخبار وما يصح التعارض فيه وما لا يصح"(1).

والمختلف بمعنى المشكل هاهنا، وقد وقفت في كتاب العين ما نصه: "أشكل الأمر إذا اختلف، وأمر مشكل شاكل: مشتبه ملتبس"(2).

وكما قال د. نور الدين عتر: "مختلف الحديث، ربما سماه المحدثون: مشكل الحديث"(3).

فيكون المراد بالمختلف ما كان التعارض فيه بين حديثين كما أفاده كلام النووي - رحمه الله -، أما المشكل فقد يكون من جهة التعارض بين حديثين، وقد يكون بسبب تعارض حديث مع آية، أو مع إجماع، أو مناقضة للعقل أو غير ذلك، فالمختلف صورة من صور المشكل.

بل قد يكون الإشكال من غير جهة المعارضة بأن يكون معنى الحديث مشكلاً في نفسه، فعليه يكون المشكل أعم من التعارض ومن المختلف، كما أن التعارض أعم من المختلف؛ لأن المختلف تعارض بين حديثين، أما التعارض فيشمل غيره من ضروب الاختلاف الأخرى(4).

وكذا المشكل أعم من الناسخ والمنسوخ، كما قال السخاوي: "كل ناسخ ومنسوخ مختلف ولا عكس"(5).

فهنا وقع تعارض بين نصين، فهذا إشكال، ورفع الإشكال يكون بمعرفة الناسخ من المنسوخ كما يكون بغيره.

فائدة: ذكر العسعس أن عبارات العلماء تنوعت في تلقيب هذا العلم فهو يسمى: اختلاف الحديث، ومختلف الحديث، ومشكل الحديث، ومناقضة الحديث، وبيان محامل صحيحها، وعلم تلفيق الحديث؛ لكن الدارج المستعمل منها: مختلف الحديث، ومشكل الحديث(6).

 



([1]) الكفاية (ص 432).

([2]) العين (5/ 396).

([3]) منهج النقد ي علوم الحديث (ص 337).

([4]) انظر: مختلف الحديث بين المحدثين والفقهاء (ص 13 - 24)، منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث (ص 56 وما بعدها).

([5]) فتح المغيث (3/71).

([6]) انظر (دراسة نقدية في علم مشكل الحديث (ص 57).