بحث عن بحث

المؤلفات في المشكل (3-5)

 

1)     كتاب (مشكل الآثار)(1) للطحاوي -رحمه الله تعالى-:

يعتبر هذا الكتاب أوسع ما كتب في هذا المجال، وقد أوضح الطحاوي - رحمه الله تعالى - مقصوده من تأليف هذا الكتاب فقال: (إني نظرت في الآثار المروية عنه - صلى الله عليه وسلم - بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيه أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبواباً أذكر في كل باب منها ما يهب الله عز وجل لي من ذلك فيها، حتى أبين ما قدرت عليه منها كذلك، ملتمساً ثواب الله عز وجل عليه، والله أسأل التوفيق لذلك والمعونة عليه، فإنه جواد كريم وهو حسبي ونعم الوكيل)(2).

من كلام الطحاوي هذا يظهر لنا أنه قصد في تأليفه هذا الكتاب أموراً ثلاثة:

أحدها: بيان ما قدر عليها من مشكلها.

وثانيها: استخراج الأحكام التي فيها.

وثالثها: نفي الإحالات عنها.

وقد جاء كتابه - كما وعد - مستوفياً لهذه الأمور الثلاثة، كما جاء كتابه متميزاً بالشمول والتنوع، فلم تقتصر مسائله على موضوع أو فنٍّ معين، بل شملت مواضيع وفنوناً متعددة: في العقائد والآداب، وفي الفقه والفرائض، وفي أسباب النزول والقراءات، وغيرها(3). وقد قسم كتابه إلى أبواب، وجعل لكل باب عنواناً يدل على الإشكال الذي يريد الكلام عليه، وكثيراً ما يُصَدِّرُ العنوان بقوله: "باب بيان مشكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ..." فيذكر الحديث.

وامتاز كتابه أيضاً باتصال أكثر أحاديثه التي يورده، فهو يذكرها بسنده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ممَّا يسهل الوقوف على الرواية ودرجة صحتها والحكم عليها.

وقد يُتبع الرواية ببيان ما فيها من انقطاع، أو ضعف راوٍ، أو اشتباه في نسب، أو غير ذلك إن وجد.

ولكن مما يلاحظ على هذا الكتاب عدم الترتيب والتنظيم ممَّا يعسر معه الحصول على المطلوب، فتجد أبواب الموضوع الواحد متشتتة ومتفرقة من أول الكتاب إلى آخره، فإذا أردت البحث عن مسألة معينة لم تجد بُدّاً من استعراض جميع أبواب الكتاب.

ولذلك قال أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي (803هـ): (وكان تطويل كتابه - بكثرة تطريقه الأحاديث وتدقيق الكلام فيه حرصاً على التناهي في البيان - على غير ترتيب ونظام، ولم يتوخ فيه ضم باب إلى شكله ولا إلحاق نوع بجنسه، فتجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الديوان إلى آخره، وكذلك أحاديث الصلاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام، تكاد أن لا تجد فيه حديثين متصلين من نوع واحد، فصارت بذلك فوائده ولطائفه منتشرة متشتتة فيه، يعسر استخراجها منه، إن أراد طالب العلم أن يقف على معنى بعينه لم يجد ما يستدل به على موضعه إلا بعد تصفح جميع الكتاب، وإن ذهب ذاهب إلى تحصيل بعض أنواعه افتقر في ذلك إلى تحفظ جميع الأبواب)(4).

وقال السخاوي - رحمه الله تعالى -: (وهو من أجلِّ كتبه - يعني الطحاوي -؛ ولكنه قابل للاختصار غير مستغن عن الترتيب والتهذيب)(5)


 

(1)    هذا هو العنوان المشهور للكتاب، وهو الذي عليه الطبعة القديمة - الناقصة - وقد ذُكر للكتاب عدة أسماء متقاربة، وطبع أخيراً كاملاً - ولأول مرة - بتحقيق شعيب الأرنؤوط، بعنوان: شرح مشكل الآثار، ويقع في ستة عشر مجلداً.

(2)    مشكل الآثار للطحاوي (1/3).

(3)    انظر: مختلف الحديث لأسامة الخياط (413).

(4)    المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (1/3).

(5)    قد اختصره القاضي أبو الوليد ابن رشد (الجد) (ت: 520 هـ)، وذلك بحذف أسانيد الأحاديث، وتقليل طرقها، واختصار كثير من ألفاظه من غير أن يخل بشيء من معانيه، كما أنه هذبه ورتبه فضم كل نوع إلى نوعه، وألحق كل شكل بشكله. [انظر: المعتصر من المختصر (1/3)]، واختصر (مختصر ابن رشد): القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي في كتاب سماه (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار)، وهو مطبوع متداول.

كما قام الباحث خالد محمود الرباط بترتيب الأصل - مشكل الآثار -، فقسمه إلى خمسة وعشرين كتاباً مرتباً إياها على الموضوعات الفقهية، فابتدأه بكتاب الإيمان ثم الطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة... وهكذا، وختمه بكتاب الفتن ثم القيامة والجن والنار، وقد جمع تحت كل كتاب ما يتعلق به من الأحاديث، وسماه: "تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار"، وهو مطبوع في عشر مجلدات.