بحث عن بحث

المؤلفات في المشكل (4-5)

 

1)     كتاب (مشكل الحديث وبيانه) لابن فورك - رحمه الله تعالى-:

هذا الكتاب خاص بأحاديث العقيدة المتعلقة بالأسماء والصفات، فأورد جملة منها زاعماً أن ظاهرها يوهم التشبيه والتجسيم، ثم ذهب يؤولها ويصرفها عن ظاهرها المراد منها، بما يتوافق مع مذهبه الأشعري، وكثيراً ما يصدر الحديث الذي يريد تأويله بقوله: (ذكر خبر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه)(1)، ومن الصفات التي أوَّلها: اليد(2)، والأصابع(3)، والقدم(4)، والنزول(5)، والضحك(6)، والعجب(7)، والفرح(8)، والاستواء(9)، والعلو(10).

فالكتاب إذاً خاص بالعقيدة على المذهب الأشعري، وهو عبارة عن ثلاثة أقسام مرتبط بعضها ببعض(11).

فالقسم الأول أورد فيها أكثر من خمسة وسبعين حديثاً، مما يرى أن ظاهرها يوهم التشبيه، فأوَّلها وبين معناها من وجهة نظر أشعرية(12).

وأما القسم الثاني فهو للرد على ابن خزيمة في كتابه: (التوحيد) فأورد فيه عشرة أحاديث، يشترك بعضها مع القسم الأول، وأوَّلها كغيرها من أحاديث الصفات، وخطَّأ ابنَ خزيمة في حملها على ظاهرها مع نفي المماثلة، وقد بدأه بقوله: (فصل فيما ذكره ابن خزيمة في كتاب التوحيد)(13).

وأما القسم الثاني فقد خصّه للردِّ على أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي صاحب ابن خزيمة، في كتابه: (الأسماء والصفات)، وقد عقد فيه أكثر من عشرين فصلاً في تأويل صفات الله تعالى، وابتدأه بقوله: "فصل آخر فيما ذكره الصبغي في كتاب الأسماء والصفات"(14).

وختم هذه الكتاب بقوله: "كَمُلَ بيان ما أشكل ظاهره من صحيح الحديث مما أوهم التشبيه، ولبَّس بذلك المجسمون، وازدراه الملحدون، وطعن في روايته الملحدون، وإيضاح ما خفي باطنه مما أغفله الجاهلون، وأنكره المعطلون..."((15).

والمطلع على هذا الكتاب يلحظ أمرين عجيبين:

"أحدهما: البحث عن أوجه التأويل لكل حديث، والتكلف في ذلك، وهو يعتقد أن هذه مهمة طائفة من أهل الحديث، فقد قسمهم إلى فرقتين:

فرقة هم أهل النقل والرواية، وحصرِ أسانيدها وتمييز صحيحها من سقيمها.

وفرقة منهم يغلب عليهم تحقيق طرق النظر والمقاييس، والإبانة عن ترتيب الفروع على الأصول، ونفي شبهة الملَبِّسين عنها.

فالفرقة الأولى للذين كالخزانة للملك، والفرقة الأخرى كالحراس الذين يَذُبُّنَ عن خزائن الملك(16).

وواضح أن ابن فورك في كتابه جعل مهمته تحقيق هدف الفرقة الثانية، ولذلك ذكر فيه ما يراه من مشكل الحديث.

والأمر الآخر: خلْطُه فيما يورده - من الأحاديث - بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، حيث جعلها نسقاً واحداً في الدلالة وضرورة التأويل، وإذا أشار إلى ضعف بعض الروايات لا يكتفي بذلك في ردها، وبيان عدم الحاجة إلى بحث ما دلت عليه من الصفة لله تعالى، وإنما يشير إلى ضعفها - إن أشار - بلكمات، ثم يجلب بخيله ورجله في تأويها"(17).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مَعْرِض حديثه عن تأويلات أهل الكلام: "هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأويل الجميع، كما فعل أبو بكر بن فورك في كتاب (مشكل الحديث)"(18).


 

(1)     انظر على سبيل المثال: (42، 128، 134، 142، 146، 152، 160).

(2)     انظر: (107، 114، 457).

(3)     انظر (254).

(4)     انظر: (134 ـ 140).

(5)     انظر: (215).

(6)     انظر: (148).

(7)     انظر (207).

(8)     انظر: (202 ـ 103).

(9)    انظر: (477).

(10)     انظر: (167 ـ 168).

(11)    انظر: مختلف الحديث للدكتور نافذ حسين (72 ـ 74).

(12)     يبدأ هذا القسم من أول الكتاب حتى (ص 391).

(13)    يبدأ هذا القسم من ( 392 ـ 444).

(14)    بداية هذا القسم من (ص 445).

(15)    مشكل الحديث (525).

(16)    انظر: مشكل الحديث لابن فورك (32).

(17)    موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود (2/ 562، 563).

(18)    درء التعارض (5/ 236).