بحث عن بحث

 

 

مشكل أحاديث شؤم المرأة(6)

 

 

ثالثا : أقوال العلماء في حديث " شؤم المرأة ":

يمكن ترتيب أقوال العلماء الواردة في مناقشة الشؤم المنسوب للمرأة في روايات الحديث التي عرضناها، وعرفنا أنها صحيحة في فقرةٍ سابقة، على الشكل التالي:

الإمام مالك بن أنس (179هـ):

جاء في كتاب (شرح صحيح مسلم ) للإمام النووي: " واختلف العلماء في هذا الحديث (حديث شؤم المرأة) فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سبباً للضرر أو الهلاك وكذا اتخاذ المرأة المعينة... قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة..."(1)

إذا فالمكروه الذي قد يصيب الإنسان من " اتخاذ امرأة معينة " يكون بقضاء الله تعالى عند هذا الاتخاذ وليس بسببه. بهذه الطريقة حاول الإمام مالك أن يوفق بين ظاهر الحديث وبين انفراد الله تعالى بالتأثير في هذا الكون.

ابن قتيبة (276هـ)

قال ابن قتيبة رحمه الله في كتابه: تأويل مختلف الحديث: " وأما الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الشؤم في المرأة والدار والدابة ). فإن هذا حديث يُتوَهم فيه الغلط على أبي هريرة، وأنه سمع فيه شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعه، قال أبو محمد حدثني محمد بن يحيى القطعي قال: نا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله عنها، فقالا: إن أبا هريرة يحدِّث عن رسول الله أنه قال: (إنما الطيرة في المرأة والدابة والدارفطارت شفقاً، ثم قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم مَنْ حدَّث بهذا عن رسول الله ، إنما قال رسول الله : (كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار)، ثم قرأت: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ) "(2) .

هكذا نلاحظ أن ابن قتيبة ردَّ إشكال الحديث عن طريق نسبة الوهم والغلط إلى أبي هريرة رضي الله عنه، وأثبت هذا الوهم من أبي هريرة بذكر ملابسات هذا الحديث بشكل كامل كما نقلته لنا السيدة عائشة رضي الله عنها، حيث أخبرتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال هذا الحديث إخباراً عن أهل الجاهلية فقط، وليس إقراراً بمضمونه، وخاصة أنه يتعارض مع المفهوم من قول الله تعالى : (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) [الحديد: 22]

حيث يدل ظاهر هذه الآية الكريمة على أن المصائب التي تصيب الإنسان مُقدَّرة على الإنسان في الغيب، ولا يدَ لأي مخلوق فيها ـ عن طريق الشؤم أو غيره ـ ولا توجد أية قدرة لأي مخلوق على التصرف فيها، وإيذاء الآخرين بها، فالله عز وجل وحده هو النافع وهو الضار بمشيئته، وقدرته، وسُنَنه فقط.



(1) شرح صحيح مسلم، راجعه: خليل الميس، (بيروت، دار القلم) 13/472.

  1. تأويل مختلف الحديث، تحقيق: محمد زهدي النجار، (بيروت، دار الجيل، 1393هـ/1972م)، 1/104-105. وانظر قول عائشة رضي الله عنها أيضاً في: مسند الإمام أحمد: 6/246. رقم الحديث: 26130. و الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد، (القاهرة ـ بيروت، دار الريان ـ دار الكتاب العربي، 1407هـ)، 5/104. حيث قال الهيثمي بعد أن ذكر حديث عائشة: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقد روى الطيالسي حديث عائشة بهذا اللفظ: ( حدثنا أبو داود: قال حدثنا محمد بن راشد عن مكحول قيل لعائشة إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله r : الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس. فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله r يقول: قاتل الله اليهود، كانوا يقولون: إن الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس، فسمع آخر الحديث، ولم يسمع أوله). الطيالسي، مسند الطيالسي، 1/215.