بحث عن بحث

 

 

مشكل أحاديث شؤم المرأة(7)

 

 

بقية أقوال العلماء :

أبو جعفر الطحاوي ( 321هـ )

قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه: مشكل الآثار: " ...عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة )، فكان في هذا ما دلَّ على أن الشؤم إن كان في شيء ففي هذه الثلاثة لا بتحقيق كونه فيها... وقد روي عن عائشة إنكار ذلك وإخبارها أن رسول الله إنما قال ذلك إخباراً عن أهل الجاهلية ... وإذا كان ذلك كذلك كان ما رُوي عنها مما حفظته عن رسول الله  من إضافته ذلك الكلام إلى أهل الجاهلية أولى مما رُوي عن غيرها فيه ... لا سيما وقد رُوي عن رسول الله نفي الطيرة والشؤم ..."(1)

ثم ذكر الأحاديث النافية للشؤم بسنده.

وقال الطحاوي في كتابه: شرح معاني الآثار: " وأما الطيرة، فقد رفعها رسول الله ، وجاءت الآثار بذلك مجيئاً متواتراً. حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، وروح قالا: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى، رجل من بني أسد، عن زر، عن عبد الله قال: قال رسول الله: (إن الطيرة من الشرك، وما منا إلاَّ، ولكن الله يُذهبه بالتوكل )(2)

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا مروان بن معاوية بن الحارث، قال: حدثنا ابن المبارك عن عوف، عن حبان بن قطن، عن قبيصة ابن المخارق، قال: سمعت النبي يقول: (العيافة، والطيرة، والطّرق من الجِبت)(3)

فلما نهى رسول الله  عن الطيرة، وأخبر أنها من الشرك، نهى الناس عن الأسباب التي تكون عنها الطيرة، مما ذُكر في هذا الباب. فإن قال قائل: فقد قال النبي: (الشؤم في الثلاث). قيل له: قد رُوي ذلك عن النبي ، على ما ذكرتُ [يقصد على سبيل الإخبار عن أهل الجاهلية فقط]"(4) .

وهكذا نلاحظ أن أبا جعفر الطحاوي قد مال إلى رفض ظاهر الحديث، وقَبِل إنكار السيدة عائشة لهذه الرواية، واعتبر رواية السيدة عائشة أولى بالأخذ، خصوصاً أنها تتوافق مع الروايات المتواترة النافية للشؤم بشكل عام، والتي اعتبرته من الشرك والجُبت، وخرّج معنى الحديث على أنه مجرد إخبار عن أهل الجاهلية.

أبو سليمان الخطابي ( 388هـ ):

قال أبو سليمان الخطابي في كتابه: معالم السُنن شرح سُنن أبي داوُد: " تعليقا على حديث سعد بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( لا هامة ولا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار).

قال الشيخ: معنى الطيرة التشاؤم... وأما قوله إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار فإن معناه إبطال مذهبهم في الطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحوها، إلا أنه يقول إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها... فليفارقها بأن ينتقل عن الدار...وكان محل هذا الكلام محل استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من كلامٍ إلى غيره، وقد قيل إن شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها... وشؤم المرأة أن لا تلد " (5)

من خلال هذا النص يبدو لنا الخطابي وكأنه يميل إلى أن الشؤم المنسوب للمرأة هو غير الشؤم نفسه، وما شؤم المرأة في نظره إلا كراهية صحبتها، أو كره صحبتها بسبب عقمها. وهنا يجب القول بأن كره المرأة بسبب عقمها، هو عادة جاهلية بغيضة لا يتحمَّل الإسلام وِزرها. إذ كيف نحمّل المرأة وزر شيء لا ناقة لها فيه ولا جمل، إذ أمر الإنجاب من عدمه هو محض مشيئة إلهية لا دخل للمرأة ولا غيرها فيه، ولنتذكر هنا قول الله: ) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ )[الشورى: 49-50].


(1) مشكل الآثار، (حيدر آباد الدكن، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، ط1، 1333هـ)، 1/ 339-340.

(2) رواه الترمذي، سنن الترمذي، كتاب: السير عن رسول الله، باب: ما جاء في الطيرة، رقم الحديث: 1539. وقال الترمذي عنه: حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود، سنن أبو داود، بلفظ: الطيرة شرك، الطيرة شرك ثلاثاً، وما منّا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل. كتاب: الطب، باب: في الطيرة، رقم الحديث: 3411.

(3) رواه أبو داود، سنن أبي داود، كتاب: الطب، باب: في الخط وزجر الطير، رقم الحديث: 3408. والعيافة: زجر الطير، والتفاؤل والتشاؤم بأسمائه، وأصواته، ومروره. والطيرة: التشاؤم الذي يصدُّ صاحبه عن العمل. والطّرق: الضرب بالحصاء أو الخط في الرمل، وهو نوع من الكهانة يزعمون به معرفة الغيب باستخدام الرمل. والجِبت: كل ما يُعبد من دون الله تعالى.

(4) شرح معاني الآثار، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، (بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1422هـ/ 2001م)، 4/130-132.

(5) معالم السنن شرح سنن أبي داود، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد (بيروت، دار الكتب العلمية)، 3/217-218.