بحث عن بحث

 

 

 مشكل أحاديث شؤم المرأة(9)

 

 

بقية أقوال العلماء:

القاضي أبو بكر بن العربي (543هـ)

قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: " اختلف الناس في تأويل هذا الحديث ( حديث شؤم المرأة )

فمنهم منْ قال: معناه الإخبار عما تعتقده الجاهلية.

وقيل معناه: الإخبار عن حكم الله الثابت في الدار والفرس والمرأة، يكون الشؤم فيها عادة أجراها، وقضاء أنفذه، ويُوجده حيث شاء منها متى شاء.

والأول ساقط، لأن النبي عليه السلام لم يُبعث ليخبر عن الناس بما كانوا يعتقدونه، وإنما بُعث ليعلِّم الناس ما يلزمهم أن يعلموه ويعتقدوه"(1).

نفهم من كلام ابن العربي هذا أنه قد يميل إلى ترجيح وجود الشؤم في المرأة، على أنه عادة وقضاء أنفذه الله تعالى، على اعتبار أن الله تعالى يفعل ما يريد. ولكن وفي الوقت نفسه فإنه تجب الإشارة إلى أن ابن العربي لا يقصد بشؤم المرأة بأنه شؤم ذاتي فيها، يصيب الآخرين بالضرر بمجرد وجوده، بل يقصدأن من عادة بعض البشر أن يتشاءموا من المرأة إذا أصابهم منها مكروه ما،مثل ـ في نظر ابن العربي وغيره ـ: سوء خُلقها أو سلاطة لسانها أو عقم رحمها.

يقول ابن العربي بعد حديثه عن شؤم الدار ( والمرأة مثلها في الأمر بموجب ظاهر الحديث ) : " قال في الموطأ : إن رجلا أخبر النبي: دار سكناها، والعدد كثير، والمال وافر، فقلّ العدد، وذهب المال، فقال: (دعوها فإنها ذميمة)(2)

فأمرهم بالخروج عنها لاعتقادهم ذلك فيها، وظنهم أن الذهاب للعدد والمال إنما كان منها وليس كما ظنوا، لكن الباري تعالى جعل ذلك وقتاً لظهور قضائه، فبجهل الخلق نسبوه إلى الجماد، واقتضت الحكمة الإلهية أن يأمرهم بالخروج عنها لوقوع تعلق الفعل القبيح بها في نفوسهم ... وليس هذا من إضافة الشؤم إلى الدار [ ولا إلى المرأة ] ولا تعليقه بها، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها، فيخرج المرء عنها صيانةً لاعتقاده عن التعلق بباطل..."(3)

إذا فإن اعتقاد بعض الناس بوجود الشؤم في أمر ما بسبب مكروه قدّر الله أن يصيبهم من خلال هذا الأمر (بيت أو امرأة) هو الذي دفع الشرع إلى الدعوة في هذه الحالة الخاصة، إلى ترك هذا الأمر لكي لا يستحكم في النفس هذا الاعتقاد الباطل، وعليه فأنه لا يوجد شؤمٌ ذاتي في المرأة أو الدار، لأن النفع والضرر بيد الله تعالى وحده.

ويجب الإشارة هنا إلى أن كلام ابن العربي هذا يعبِّر عن موقفه الشخصي في هذه المسألة، كما يعبر في الوقت نفسه عن موقف إمامه الإمام مالك رحمه الله تعالى، لأنه ذكر هذا الكلام في سياق تأويله لكلام الإمام الذي أشرتُ إليه سابقاً.


(1) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، تعليق: جمال مرعشلي (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ/ 1997)، 9/ 198.

(2) رواه الإمام مالك، الموطأ، كتاب: الجامع، باب: ما يُتقى من الشؤم، رقم الحديث: 1539.

(3) عارضة الأحوذي، 9/199.