بحث عن بحث

 

 

 مشكل أحاديث شؤم المرأة(10)

 

 

بقية أقوال العلماء :

أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (656هـ):

قال أبو العباس القرطبي في كتابه: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: "والشؤم نقيض اليُمن وهو من باب الطيرة، ولذلك قال: (لا طيرة، إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار).

وقد تخيّل بعض أهل العلم: أن التطيُّر بهذه الثلاثة مستثنى من قوله: "لا طيرة "، وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلا في هذه الثلاثة، فمن تشاءم بشيءٍ منها نزل به ما كره من ذلك..

وقال أبو عبد الله: إن مالكاً أخذ بحديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس، وحمله على ظاهره، ولم يتأوله...

قلت: ولا يُظنُّ بمن قال هذا القول، أن الذي رُخِّص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنها كانت لا تُقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجهٍ بناءً على أن الطيرة تضر قطعاً، فإن هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه، ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها. بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، وليس لشيءٍ من هذه الأشياء أثرٌ في الوجود.. وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجها أُخَر. منها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه صلى الله عليه وسلم خبرٌ عن غالب عادة ما يُتشاءم به، لا أنه خبرٌ عن الشرع، وهذا ليس بشيء، لأنه تعطيلٌ لكلام الشارع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله سبحانه وتعالى. ومنهم من تأوَّل الشؤم المذكور في هذه الثلاثة فقال: الشؤم في المسكن ضيقه، وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء خلقها، وألا تلد... وهذا المعنى لا يليق بالحديث، ونسبته إلى أنه مراد الشرع من فاسد الحديث. وما ذكرناه أولى والله تعالى أعلم "(1)

يتضح لنا من نص القرطبي هذا، أنه رحمه الله تعالى قد اقتدى بإمامه مالك من حيث الأخذ بظاهر الحديث، فهو قد قَبِل بوجود الشؤم في المرأة، ولكنه فهم هذا الشؤم على أنه مجرد كراهة لها، مع إبداء اعتراضه الكامل والقاطع على من يعتقد أن هذا الشؤم يؤثر بنفسه، ويمكن له أن يجلب الضرر للآخرين بحد ذاته، فهذا الاعتقاد يخالف ثوابت العقيدة التي تؤكد أن الله تعالى هو الفعَّال في هذا الوجود وحده. كل ما في الأمر إذاً هو أن هذا الشؤم عبارةٌ عن حالةٍ نفسية قد يحس بها الإنسان نحو امرأةٍ ما تحملهعلى كراهتها وإرادة فراقها ـ إذا كانا أصلا متزوجين ـ لا أكثر ولا أقل. وهذا الحديث لم يأت إلا ليبيح للرجل إذا كره امرأته لدرجة أنه لم يعد يطيق ملازمته لها، أن يفارقها بالمعروف. وهكذا نلاحظ أن القرطبي يأخذ بظاهر الحديث دون أن يصادم أصول العقيدة، ويحرص في الوقت نفسه على توظيفه في ميدان استنباط الأحكام الشرعية، حرصاً منه على عدم إهدار معناه الظاهري، أو صرف هذا المعنى إلى مجرد الإخبار عن عادات الناس، أو تأويله تأويلا يسيء إلى مكارم الشريعة عندما رفض أن يؤول شؤم المرأة بسوء خُلقها أو عدم قدرتها على الإنجاب.


(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 5/629-631.