بحث عن بحث

 

 زيادة العمر بالبر والصلة (5)

أدلة المذهب الثاني القائل بمنع الزيادة في الأعمار :

ذكرنا فيما سبق أقوال القائلين بمنع الزيادة في الأعمار في توجيه الأحاديث الواردة في هذا الباب ، ووعدنا بذكر أدلتهم على منع الزيادة ، ثم ذكر الوجه الراجح في هذه القضية ، فإلى عرض ذلك بتوفيق الله :

استدل القائلون بمنع الزيادة في الأعمار بأدلة منها :

الأول : ما ورد في الكتاب والسنة من أن الآجال مقدرة ، وأنها لا تزيد ولا تنقص .

أما الكتاب ، فقوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً) [ سورة آل عمران / 145 ]، وقوله تعالى : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)[ سورة الأعراف / 34 ]، وقوله تعالى :( وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[ سورة المنافقون / 11 ]، وقوله تعالى :(إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )[ سورة نوح / 4 ].

قالوا : ففي هذه الآيات التصريح بأن الآجال مقدرة ، وأنها لا تزيد ولا تنقص.

وأما السنة ، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ اللَّهُمَّ مَتِّعْنِى بِزَوْجِى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَبِأَبِى أَبِى سُفْيَانَ وَبِأَخِى مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ( إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ  ،وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ ،لاَ يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ ، وَلاَ يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ ، وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِى النَّارِ وَعَذَابٍ فِى الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا لَكِ ) (1)

وعنه قال : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بكتب رزقه ،  وَأَجَلَهُ ، وعمله ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ )(2) .

قالوا : فهذه أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءت مجيء الكتاب بأن لكل نفس أجلا ، لا يتقدم ولا يتأخر(3) .

الدليل الثاني : أن الله تعالى أخبر أنه قسم الأرزاق بين عباده فقال : (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [ سورة الزخرف / 32 ]، وقال في الأجل :( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) [ الأعراف / 34]، ولم يخبر أن غير الأجل والرزق بمنزلة الرزق والأجل ، وقد أخبر أنه يزيد من يشاء في فضله ، ولم يخبر أنه يزيد من يشاء في رزقه ، ويؤخر من يشاء في عمره (4) .

الدليل الثالث : أن معنى الأثر في اللغة هو ما يتبع الشيء ، فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن ، ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم :( من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه )، فإنه محمول عل الذكر الحسن ، ومنه قول الخليل عليه السلام :(وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) [ سورة الشعراء / 84 ]، وقوله تعال :( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)[ سورة يس/ 12 ]

وقال أبو تمام :

توفيت الآمال بعد محمد       وأصبح في شغل عن السفر السفر(5)

الدليل الرابع : قالوا : ومما يدل على أن المراد بالزيادة الذكر الجميل : أن أكثر الأحاديث التي فيها الزيادة وردت في الصدقة وصلة الرحم ، وهما مما يترتب عليهما ثناء الناس ، في الحياة وبعد الممات (6).

وقد أجاب أصحاب المذهب الأول ــ القائلون بجواز الزيادة ــ على هذه الأدلة وعارضوا بعض التأويلات التي ذكروها ، ولن ننقل هنا هذه الردود ، ولكن سنعنى بذكر القول الراجح ، بعد أن أوردنا رأي كل فريق وأدلته فيما ذهب إليه.


(1) أخرجه مسلم ، كتاب القدر ( 4815 ).

(2) أخرجه البخاري ، كتاب بدء الخلق ( 3208 ) ،ومسلم ، كتاب القدر ( 4781 ).

(3) انظر : مشكل الحديث وبيانه ( 1 / 305 ـت 306 ) ، وتنبيه الأفاضل للشوكاني ص 11، 12 .

(4) انظر : مشكل الحديث وبيانه ( 1 / 307 ).

(5) انظر : فتح الباري ( 10 / 430 ).

(6) انظر : روح المعاني ( 4 / 396 ).