بحث عن بحث

القاعدة التاسعة: استخدام الأساليب التربوية المختلفة (3-7)

 8 ــــ القدوة في التحمّل والصبر وإدراك العواقب:

كانت حياة النبي ﷺ الدعوية سلسلة من الابتلاءات، فقد تعرض لألوان من العذاب والأذى في مسيرته الدعوية التي دامت ثلاثة وعشرين عامًا، وكان قدوة في الصبر والتحمّل أمام تلك التحديات، ومن أهم معالم هذه المعاناة والأذى:

أ - تعرضه عليه الصلاة والسلام للأذى في نفسه، حين اتّهمه المشركون بالشعر والسحر والجنون، قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ}(1).

ب - تعرضه عليه الصلاة والسلام للأذى في بدنه، فعن عروة قال: سألت عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني بأشدّ شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ، قال: بينما النبي ﷺ في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه فدفعه عن النبي ﷺ وقال: «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم»(2).

ج - تعرضه عليه الصلاة والسلام للأذى في عرضه في حادثة الإفك التي اتّهم فيها أم المؤمنين عائشة ك بالفاحشة، ثم برَّأها الله تعالى، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(3).

د - تعرضه عليه الصلاة والسلام وأصحابه ن للأذى والحرمان بالحصار والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية في إحدى شعاب مكة لثلاث سنوات متتالية.

هـ - تعرضه عليه الصلاة والسلام مع صحابته للأذى والعذاب بالهجرة وترك الأهل والديار والأموال، وما رافق ذلك من متاعب السفر والخوف من المشركين.

و - تعرضه عليه الصلاة والسلام للأذى بالإعراض والتصدي لدعوته، كما حدث في ذهابه إلى الطائف، فتلقاه صبيانهم بالسخرية والحجارة حتى أدميت قدماه.

وغيرها من المواقف والأحداث المهولة التي تعرض لها النبي ﷺ مع الصحابة رضوان الله عليهم، ولكنه في جميع هذه الحالات والشدائد كان قدوة في الصبر والثبات، بل إنه عليه الصلاة والسلام كان يشدّ من عزائم الصحابة ويحثهم على الصبر والمصابرة.

يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: شكونا إلى رسول الله ﷺ – وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة – قلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيُجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون»(4).

ويقول ابن إسحاق :: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمرّ بهم رسول الله ﷺ، فيقول، فيما بلغني: «صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة»(5).

وفي ذلك كله دروس وعبر للدعاة للتحمّل والصبر والثبات، من أجل بلوغ الغايات وتحقيق الأهداف، حيث كان عليه الصلاة والسلام يخبر الصحابة بما ستؤول إليه الأحوال بعد هذه الشدائد والمحن، كما في قوله السابق: «والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون»(6).

 

9 ـــ القدوة للدعاة والمربّين والموجّهين في منهجهم الدعوي:

وأما في الجانب الدعوي، فإنه عليه الصلاة والسلام كان القدوة العملية والمثل في منهجه وأسلوبه وطريقته في الدعوة إلى الله تعالى، فمنها:

أ – إخلاص النية لله تعالى، ومن ثم السعي من أجل هداية الناس، من خلال بيان ما جاء به الوحي من القرآن، قال الله تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(7).

ب – حبّ الهداية للناس، لأنه الأصل والهدف من عملية الدعوة إلى الله تعالى، وقد ضرب النبي ﷺ أروع المثل في هذا الأمر، حين عفى عن الوحشي بعد هدايته للإسلام وهو قاتل حمزة رضي الله عنه عمّ النبي ﷺ، وكذلك العفو عن هند بنت عتبة بعد إسلامها ك، فلم يمارس عليه الصلاة والسلام الثأر أو الانتقام لعمّه الذي كان من المحبين والمقرّبين له.

ج – الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة كما علّمه الله ربّه جلا وعلا، بقوله: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(8).

د – استخدام المنطق والموضوعية أثناء بعض الحوارات مع المشركين، كما علّمه الله تعالى حين قال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}(9). لأن صعوبة إيجاد الأشياء تكون في بداية الصنعة لا سيما إذا كانت من العدم، والأمر يكون أسهل في عملية الإعادة، ومعادلة منطقية سليمة استخدمها النبي ﷺ مع المشركين الذين صعّبوا وهوّلوا من إعادة خلق الإنسان بعد أن تتحول عظامه إلى تراب ورماد.

هـ – استثمار الفرص والمناسبات للدعوة إلى الله تعالى، كدعوته عليه الصلاة والسلام الوفود القادمة كل عام لأداء نسك الحج.

و – التيسير على المدعوين في العبادات والتشريعات، كموقفه عليه الصلاة والسلام من الأعرابي الذي بال في المسجد.

ز – بُعد النظر والتخطيط للمستقبل، من أجل تحقيق الهدف، مثل إرساله الرسل إلى البلدان والولايات، وكتابة رسائل الدعوة إلى الملوك والأمراء، وكذلك تأسيس قواعد في الخارج لحماية الدعوة كما حدث بعد بيعة العقبة الأولى والثانية، حين صار للمسلمين أنصار وأتباع في المدينة المنورة، آووهم ونصروهم عند الهجرة.

ومثل هذا المنهج والتخطيط مهم للداعية والمربي من أجل نجاح عملية الدعوة والتربية، وإيصال صوت الحق إلى الناس جميعًا بمختلف طبقاتهم ومستوياتهم.

 

10 ـــ القدوة للقادة في نظراتهم الشمولية:

كان النبي ﷺ قائدًا محنكًا وإداريًا ناجحًا، إضافة إلى كونه داعية ومربيًا ومعلمًا، فقد كان ينظر إلى شؤون المسلمين نظرة شمولية، وهو على بيّنة مما يجري حوله من الأحداث والتغيرات، ويتعامل معها بدراية وبعد نظر، فمن بعض هذه الرؤى:

أ – كان عليه الصلاة والسلام يهتم بالناس ويتفقد أحوالهم، ويعاين مشكلاتهم، لأن ذلك جزء من مسؤولياته القيادية، فيُطعم الجائع، ويكسي العريان، ويزور المريض، ويعطف على الصغير ويوقّر الكبير، ويشارك الناس في أفراحهم وأحزانهم، وقد تمثّل لقوله: «كلكم راع وكلكلم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته». وقد سبقت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها الحديث عن اهتمام النبي ﷺ بالناس والمحتاجين حين قالت: «كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق»(10).

ب – يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لا سيما في الجيش، لأنه عليه الصلاة والسلام يعرف الصحابة وما يتمتع كل واحد منهم بالخصال والخلال المميزة التي يمكن الاستفادة منها في المواطن المناسبة، فقد كان أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وسلمان الفارسي من المقرّبين والمستشارين له عليه الصلاة والسلام.

ج – يحافظ على أموال المسلمين ويضعها لهم في بيت المال، لصرفها في مصارفها المشروعة ويحثّ على ذلك، وقد تبيّن هذا الحرص من النبي ﷺ على أموال المسلمين من الحادثة الآتية:

استعمل رسول الله ﷺ رجلاً على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ: فهلا جلستَ في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: «اللهم هل بلغت بصّر عيني وسمّع أذني»(11).

د – يشجّع أساليب الحوار وفنون التفاوض، كما حدث في صلح الحديبية، حيث كانت الشروط صعبة على المسلمين وفي صالح المشركين، إلا أنه عليه الصلاة والسلام، كان يعرف خصومه من المشركين، ويعرف نمط التفكير والتخطيط عندهم، فلم يرفض ولم يمنع تلك الشروط القاسية، لأنها صارت لصالحهم فيما بعد.

    

وخلاصة الكلام في التربية بالقدوة، أن النبي ﷺ كان: دينًا وخُلقًا يمشي على الأرض، فيرى الناس الإسلام من خلال أقواله وأعماله ومواقفه، وهذا يلزم الآباء والمربّين والمعلمين أن يقتدوا بهذا الأسلوب التربوي النبوي، ونقله من جيل إلى جيل، حتى تستقيم الأحوال ويسير ركب الأمة في الاتجاه الصحيح نحو البناء والإنتاج والقوة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الصافات: 36]

(2) أخرجه  البخاري (9: 439 رقم 3856)

(3) [النور: 11]

(4) أخرجه البخاري (3: 1322 رقم  3416)

(5) السيرة النبوية لابن هشام (1: 346)

(6) سبق تخريجه

(7) [النحل: 64]

(8) [النحل: 125]

(9) [يس: 78-89]

(10) أخرجه البخاري (1: 3: رقم3)

(11) أخرجه البخاري (17: 402 رقم 6979)