بحث عن بحث

القاعدة الخامسة عشرة: الــدعاء (1-4)

مدخـل:

إن الاستعانة بالله تعالى واللجوء إليه وطلب التوفيق والنجاح في الحياة والفوز والنجاة في الآخرة هي قاعدة مهمة من قواعد التربية في الهدي النبوي، فقد كان عليه الصلاة والسلام متواصلاً مع هذه القاعدة في كل حركاته وسكناته، لأن الاعتماد على الأسباب وحدها غير كاف للوصول إلى الأهداف وتحقيق الغايات ما لم تدعّم بالدعاء إلى الله والاستعانة به على تسهيل الأمور وتذليل الصعاب، فكثير من الناس لا يصلون إلى أهدافهم رغم توفر الإمكانات والأدوات والظروف المناسبة، لغياب عنصر الدعاء، وبالمقابل فإن البعض يحققون غايات كبرى بآليات بسيطة وإمكانات متواضعة، لأنهم استعانوا بالدعاء، لا سيما العاملون في المجال التربوي والدعوي والتعليمي.

ولهذه القاعدة معالم كثيرة في الميادين التربوية يمكن الإشارة إلى بعضها:

 

أولاً: فضل الدعاء وأهميته:

يتبيّن أهمية الشيء ومكانته، حين نقرأ في النصوص الشرعية الحث عليه وترتيب الأجر والمثوبة على فعله، كما هي الحال في الدعاء إلى الله تعالى وسؤاله وطلب الحوائج منه وحده، يقول تبارك وتعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(1).

وبهذا فإن الدعاء، أمر مطلوب، ولا يمكن الاستغناء عنه، وإن امتلك الناس أسباب الحركة والعمل والنجاح، فذلك كله منوط بتوفيق الله تعالى الذي يمدّه إلى من يطلبه منه جلا وعلا وحده.

كما جاءت أهمية الدعاء في الهدي النبوي، فقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الدعاء وفضله وضرورته في الحياة، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء»(2).

 

ثانيًا: الدعاء صلة بين العبد وربه:

والدعاء هو التواصل الدائم بين العبد وربّه، دون وسيط أو وسيلة، يخاطب الله تعالى ويضع بين يديه حوائجه ويبث إليه شكاويه وأحزانه، ويطلب منه العون لتخطي كل ما يعتريه من الخطوب والشدائد، ويسأله التوفيق والفلاح، لأنه جلّ وعلا أرحم بهم من أنفسهم، فيعفو ويغفر، ويصفح ويستر، ويذهب الغم ويفرج الكروب، يقول تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(3).

ومن أجل ذلك عدّ النبي ﷺ الدعاء هو العبادة فقال: «الدعاء هو العبادة»(4).

لأن الوقوف بين يدي الله تعالى وسؤاله وحده ما يحتاجه من فلاح في الدنيا وفوز في الآخرة هو نوع من العبودية لله تعالى.

وهذا التواصل والتقارب مع الله تعالى بالدعاء، من شأنه أن يثبت الإنسان ويذلل أمامه الصعاب، فكان من الواجب على المربين والدعاة أن يكونوا على صلة دائمة مع الله تعالى بالدعاء والسؤال لحفظ جهودهم ونجاح مساعيهم.

 

ثالثًا: الدعاء سمة الأنبياء والصالحين:

كان الدعاء سنة من سنن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، في السرّاء والضراء، فلم يكن في أزمنة معينة أو أمكنة محددة، بل كان دأبهم في كل حال، يشمل الدعاء حوائجهم الدنيوية من الرزق الحلال والذريات المباركة، وكذلك يشمل حوائجهم الأخروية في قبول أعمالهم وعباداتهم وبالتالي الفوز برضوان الله تعالى وجناته، ومن هذه الدعوات التي وردت على ألسنة بعض الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في كتاب الله تعالى:

1 - قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا . إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا . رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا}(5).

وقد أجاب الله دعوته بعد أن يئس نوح عليه السلام من قومه حيث استغرق دعوته قرونًا من الزمن، ولم يتبعه إلى نفر قليل، فعذبهم الله بالطوفان ولم ينج منهم إلى نوح عليه السلام وبعض أهله، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}(6).

2 - دعوات إبراهيم عليه السلام التي تعددت في مواطن كثيرة من كتاب الله، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(7).

3 - دعوات زكريا عليه السلام كما في قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}(8).

4 – دعوات يونس عليه السلام في جوف الحوت: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}(9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [غافر: 60]

(2) أخرجه الترمذي (5: 455، رقم 3370)

(3) [البقرة: 186]

(4) رواه الترمذي برقم 2969

(5) [نوح: 26-28]

(6) [العنكبوت: 14]

(7) [إبراهيم: 35-36]

(8) [آل عمران: 38]

(9) [الأنبياء: 87]