بحث عن بحث

الـمسألة الثالثة: درجات إنكار المنكر

دل الحديث على أن إنكار المنكر على درجات متفاوتة.

قال النووي :: «قال القاضي عياض :: هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله، وينزع المغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه، أو يأمر إذا أمكنه ويرفق في التغيير جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شره؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى، ويغلظ على المتمادي في غيه، والمسرف في بطالته، إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيره؛ لكون جانبه محميًّا عن سطوة الظالم. فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرًا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسبب، كف يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ، والتخويف؛ فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك، غير بقلبه، وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث -إن شاء الله تعالى- وإن وجد من يستعين به على ذلك استعان ما لم يؤدِّ ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى من له الأمر إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه. هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء المحققين«(1).

فالخلاصة:أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل إنكار المنكر ثلاث مراتب:

الأولى:هي الإنكار باليد: كأن يكسر آلة اللهو، أو يريق خمرًا، أو نحو ذلك، ولا ننسى شرط القدرة والاستطاعة وأمن المفسدة الأكبر.

الثانية: تأتي بعد الأولى، وهي: أن ينكر بلسانه إذا لم يستطع بيده، ويتم ذلك عن طريق الوعظ والإرشاد والنصح والتذكير والتوجيه، والتغليظ والقسوة عند الحاجة إلى ذلك.

الثالثة: تأتي بعد الثانية، وهي: الإنكار بالقلب، والمقصود به كره ذلك المنكر، وعدم مخالطة أهله والسكوت عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح صحيح مسلم للنووي (2/25).