بحث عن بحث

الـمسألة الرابعة: ترتب قيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الاستطاعة

رتب في الحديث الإنكار على الاستطاعة، وكذا الانتقال من جزئية إلى أخرى.

يقول ابن رجب : بعد أن ذكر عدة أحاديث: «فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فما لم ينكر قلب المؤمن دل على ذهاب الإيمان من قلبه». اهـ. وقال أيضًا: «فتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة«(1).

ويقول ابن القيم :: «وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما، وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وُضِع عنا. فقال: هبي أنه قد وضع عنكن سلاح اليد واللسان، فلم يوضع عنكن سلاح القلب. فقالت: صدقت، جزاك الله خيرًا«(2).

لكن ما المقصود بهذه الاستطاعة؟

تنوع كلام أهل العلم في ذلك، وأقرب ما يقال في ذلك: أنه يختلف باختلاف نوع الأذى ومدى احتماله، ونوع المنكر ومدى خطورته، والأثر الحسن أو القبيح في ذلك المترتب على هذا الإنكار، كما قال القاضي عياض(3).

ويقول الغزالي في الإحياء: «واعلم أنه لا يقف سقوط الواجب على العجز الحسي، بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروهًا يناله، فذلك معنى العجز، وكذلك إذا علم أن إنكاره لا ينفع، وخاف أن يُضرب إن تكلم فلا يجب عليه الأمر بالمعروف، فإن علم أن إنكاره لا يفيد لكنه لا يخاف مكروهًا فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين، وذهب بعضهم إلى وجوبها بناءً على أن الواجب الأمر بالمعروف لا القبول. قال تعالى{مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ}، فإن علم أنه يصاب بمكروه ولكنه يبطل المنكر بفعله، فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب».ا.هـ.

ويقول أيضًا: «ويستحب له أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر، أو في كسر جاه الفاسق، أو في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إذا رأى فاسقًا متغلبًا وعنده سيف وبيده قدح، وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح، وضرب رقبته، فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجهًا، وهو عين الهلاك، وتعريض النفس للهلاك من غير أثر لا وجه له، بل ينبغي أن يكون حرامًا، وإنما يستحق له الإنكار إذا قدر مع إبطال المنكر، أو ظهر للفعل فائدة، وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه، فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه؛ فلا يجوز له الحسبة بل تحرم».ا.هـ(4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ(1) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (281).

ـ(2) إعلام الموقعين، لابن القيم (2/ 157).

ـ(3) شرح صحيح مسلم، للنووي (2/ 25).

ـ(4) الإحياء (2/ 324).