بحث عن بحث

الـمسألة الثامنة: تعارض وجوب الإنكار مع ظاهر قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾

دلَّ الحديث في ظاهره -كما سبق- على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من الواجبات.

لكن هل هذا الواجب يتعارض في الظاهر مع قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(1)هكذا فهم بعض الناس الذين يريدون السلامة لأنفسهم ظاهرًا، لكن جهابذة هذه الأمة فهمت خلاف ذلك؛ فهمت أن من مقتضى الاهتداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يتم إلا به، فإن تركه مع القدرة عليه ضلال.

فالمعنى: إذا استقمتم في أنفسكم وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر لا يضركم ضلال من يضل.

هكذا فهم الصديق رضي الله عنه؛ أخرج الإمام أحمد وغيره بسند صحيح، عن قيس بن حازم قال: قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم العقاب«(2).

قال ابن كثير في معنى الآية: «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرًا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا. قال العوفي عن ابن عباس عند تفسير هذه الآية: يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فما أمرته به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به، وكذا روى الوالبي عنه، وهكذا قال مقاتل بن حيان، فقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ }، نصب على الإغراء {لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، أي: يجازي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فليس في الآية مستدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكنًا». ثم ذكر الحديث.

      وجاء للحديث روايات أخر.. ومنه أنه ذكر بعد كلامه: «والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله منه بعقاب»(3).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة، آية:(105).

(2) أخرجه الإمام أحمد (1/7)، و(1/5)، و (1/9)، وأبو داود في سننه في كتاب الرحمة (4/509)، وأخرجه الترمذي في جامعه في كتاب الفتن (4/ 467) قال الترمذي: وهذا حديث صحيح.

(3) تفسير ابن كثير (2/13).