بحث عن بحث

 

الحلقة (27): الضعيف بسبب السقط من السند(2)

الحديث المعلَّق2

حكم المعلَّق:

الحديث المعلَّق ضعيف لأنه فَقَدَ شرطًا من شروط القبول وهو اتصال السند بحذف راو أو أكر من أوّل إسناده مع عدم علمنا بحال ذلك المحذوف.

وهذا الحكم خاص بما إذا كان المعلَّق في كتاب لم يشترط مؤلفه الصحة أو اشترطها ولم يفِ بشرطه(1)

أما إذا وجد المعلق في كتاب التزمت صحته كالصحيحين(2) ، فهذا له حكم خاص، وهو أنه لا يخلو من حالين:

الأولى: ما كان معلقًا وجاء موصولًا في الكتاب نفسه، وهذا هو الكثير الغالب على معلقات الصحيحين.

الثانية: ما لم يوجد إلا معلقًا إذ لم يوصل في موضع آخر من الكتاب. وهذه لا تخلو من صورتين:

الأولى: أن يصدَّر بصيغة الجزم مثل: قال وروى وذكر وحكى، فهذه الصيغة يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من الرجال، فمنهم من هو على شرط الصحيح، ومنهم من لا يلتحق بشرطه، وهذا قد يكون صحيحًا على شرط غيره وقد يكون حسنًا، وقد يكون ضعيفًا لا من جهة قدح في رجاله بل من جهة انقطاع يسير في إسناده.

ومن الأمثلة ما علقه في كتاب الزكاة (2/525) :

( وقال طاوس : قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب : خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة ، أهون عليكم ، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ) قالوا : فهذا إسناده إلى طاوس صحيح ، إلا أن طاوسا لم يسمع من معاذ .

والأمثلة على ذلك في هدي الساري(3) مقدمة فتح الباري.

الثانية: أن يصدر المعلَّق بصيغة التمريض مثل: رُوِي ويُروى ويُذكر ويُقال: فهذه الصيغة لا يُستفاد منها الصحة ولا الضعف، ففيها ما هو صحيح على شرطه، وفيها ما هو صحيح ليس على شرطه، وفيها ما هو حسن، وفيها ما هو ضعيف.

قال ابن الصلاح: ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارًا يؤنس به ويركن إليه(4)

وقال الحافظ ابن حجر: الضعيف الذي لا عاضد له في الكتاب قليل جدًّا، وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف(5)

ومثال ذلك: قول البخاري: ويُذكر عن أبي هريرة ا رفعه: «لا يتطوَّع الإمام في مكانه» ولم يصح(6)

وطريق معرفة الصحيح من غيره من هذه المعلقات هو البحث عن إسناده الحديث والحكم عليه بما يليق به، وقد تولى ذلك بالنسبة لصحيح البخاري الحافظ ابن حجر : في كتابيه: فتح الباري وتغليق التعليق.

وأما صحيح مسلم :

فإن جميع ما فيه من المعلقات يصل فقط إلى خمسة أحاديث ، يرويها الإمام مسلم مسندة متصلة من طريق ، ثم يعلقها عقبه من طريق أخرى غير الطريق التي أسندها ، لغرض علمي يريده الإمام مسلم ، وقد جمعها الشيخ رشيد الدين العطار في رسالة مطبوعة ، وبين وصلها وأسانيدها الصحيحة .

وليس في صحيح مسلم – بعد المقدمة – حديث معلق لم يصله من طريق أخرى إلا حديث واحد : قال مسلم في حديث رقم (369) :

وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبدالرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول : : أقبلت أنا وعبدالرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث ابن الصمة الأنصاري ، فقال أبو الجهم :

( أَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن نَحوِ بِئرِ جَمَلٍ ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ ، فَسَلَّمَ عَلَيهِ ، فَلَم يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَيهِ حَتَّى أَقبَلَ عَلَى الجِدَارِ ، فَمَسَحَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيهِ السَّلامَ ) وانظر "النكت" للحافظ ابن حجر (1/346-353)

وقد وجد هذا الحديث مسندا متصلا من طريق الليث بن سعد أيضا عند البخاري في صحيحه (337) وأبو داود (329) وغيرهما .  


(1) كابن خزيمة وابن حبان والحاكم لوجود الصحيح وغيره في كتبهم.

(2) الذي في صحيح مسلم من المعلقات أربعة عشر حديثًا، منها ثلاثة عشر موصولة في صحيح مسلم نفسه والرابع عشر موصول في صحيح البخاري، فلا تبحث معلقات صحيح مسلم، والبحث الخامس بمعلقات البخاري.

(3) هدي الساري، ص(17).

(4) علوم الحديث، ص(21).

(5) هدي الساري، ص(19).

(6) البخاري (2/334) مع الفتح، وأبوداود، رقم(1006).