بحث عن بحث

 

الضعيف بسبب السقط من السند(10)

المدلَّس (5)

 

التدليس في الصحيحين

تمهيد:-

قبل الشروع في الحديث عن هذه المسألة الهامة لعلنا نعرض لكلام  العلامة المحقق ابن دقيق العيد في الراوي المدلس إذا روى حديثًا معنعنًا، قال: «المشهورُ أنه لا يُحمل على السماع حتى يبين الراوي ذلك، وما لم يبين فهو كالمنقطعِ فلا يُقبل، وهذا جارٍ على القياس» ثم أتبع كلامه بملاحظة بالغة الدقة فقال: «إلا أن الجريَ عليه في تصرفات المحدثين وتخريجاتهم صعبٌ عسيرٌ، يُوجبُ اطراحَ كثيرٍ من الأحاديث التي صححوها، إذ يتعذر علينا إثبات سماع المدلس فيها من شيخه، اللهم إلا أن يدَّعي مُدَّعٍ: أن الأولين اطلعوا على ذلك، ولم نطلع عليه، وفي ذلك نظرٌ»(1).

وقال في موضعٍ آخر: «لابد من الثبات على طريقةٍ واحدة، إما القبول مطلقًا في كل كتاب، أو الرد مطلقًا في كل كتاب، وأما التفرقة بين ما في الصحيح من ذلك وما خرج عنه، فغاية ما يوجه به أحد أمرين: إما أن يُدَّعى أن تلك الأحاديث عرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها، وهذا إحاطة على جهالة، وإثبات أمر بمجرد الاحتمال، وإما أن يُدَّعى أن الإجماع على صحة ما في الكتابين دليلٌ على وقوع السماع في هذه الأحاديث، وإلا لكان أهل الإجماع مجمعين على الخطأ وهو ممتنع، لكن هذا يحتاج إلى إثبات الإجماع الذي يمتنع أن يقع في نفس الأمر خلاف مقتضاه، وهذا فيه عُسر»(2).

وقال الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي لما سأله تقي الدين السبكي عما ما وقع في الصحيحين من حديث المدلس معنعنًا هل نقول: إنهما اطلعا على اتصالها؟

فقال: «كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما توجد من غير تلك الطريق التي في الصحيح»(3).

ويستفاد من كلام هذين الإمامين حقيقتان:

1- أن البخاري صحح أحاديث فيها عنعنة مدلسٍ لم يصرح بسماعه لذلك الحديث.

2- أن القول باطلاعه على السماع من طرق أخرى لم يوردها ويبرزها عند ذكره لذلك الحديث احتمال يحملنا عليه حُسن الظن به، وإلا – كما قال ابن دقيق العيد – فهذا إحالة على جهالة، وإثبات أمر بمجرد الاحتمال لذا كان محل نظر.

«ولا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، وذكر مشايخ كثيرة، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه»(4).

قال الإمام الحافظ يعقوب بن شيبة: «سألتُ يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلتُ: أفيكونُ المدلس حجة فيما روى أو حتى يقول: حدثنا وأخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دلَّس»(5)، ومعنى هذا الكلام أن ما رواه المدلس ولم يثبت بقين أنه دلس فيه يكون حجة، ولا شك أن العنعنة ليست لفظة صريحة في التدليس، بدليل أننا وجدنا لشعبة أحاديث كثيرة عن قتادة تروى عنه بالعنعنة وشعبة لم يحمل عنه إلا ما صرح بسماعه كما هو معلوم.

وأما علي بن المديني، فقد قال يعقوب بن شيبة: «سألت علي بن المديني عن الرجل يُدلِّس أيكون حجة فيما لم يقل حدثنا؟، قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا حتى يقول حدثنا»(6) وقصده بالغالب أي المكثر، ولا يمكن أن يوجد محدث ثقة غالب حديثه تدليس.

ونخلص من كل ما تقدم أن الأقرب لمنهج البخاري أن حديث المدلس الثقة غير المكثر من التدليس كأبي إسحاق السبيعي والأعمش وقتادة والزهري والثوري ومن هو على شاكلتهم ممن أخرج حديثهم في صحيحه محتجًّا بهم في الأصول، مقبول ومحتج به إذا ورد معنعنًا ولم يوجد إثبات للسماع من وجه آخر، وعُدِم وجود دليل يُثبت تدليس ذلك الثقة في الحديث الذي هو محل البحث، ولا يكون في الحديث شذوذ أو علة تستدعي التوقف فيه، والأسباب أو الأدلة التي رجحتُ بها ذلك:

1- ظاهر تصرف البخاري في صحيحه، كما أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد والمزي.

2- فهمي لكلامه عن تدليس الثوري.

3- أن هذا هو رأي كبار أساتذته من أئمة النقد والعلل.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :

القول الأول : أنها محمولة على الاتصال والصحة ، وهذا الرأي عليه عدد كبير من المحدثين ، وجعلوا قبولهم للعنعنة هنا محمولٌ على ثبوت سماع المدلس من جهة أخرى ، وممن قال بهذا الرأي : ابن الصلاح والنووي والعلائي والقطب الحلبي(7) .

القول الثاني : معاملة المدلس في الصحيحين كمعاملته خارجهما ، وذهب إلى هذا الرأي عدد من لا بأس به من علماء الحديث ، منهم : ابن دقيق العيد والحافظ ابن حجر والصنعاني(8) ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاقتراح (ص19 – 20).

(2) النكت لابن حجر (2/635 – 636).

(3) المرجع السابق (2/636).

(4) العلل الكبير (ص388).

(5) الكفاية للخطيب البغدادي (ص400).

(6) المرجع السابق.

(7) - راجع : مقدمة ابن الصلاح ص 171 ، تقريب النووي ص 65 ، فتح المغيث ( 1 / 355 ) ، جامع التحصيل ص 113 .

(8) - راجع : النكت على ابن الصلاح ( 2 / 635 – 636 ) ، توضيح الأفكار ( 1 / 356 ) ، هدي الساري ص 385 .