بحث عن بحث

 

 الضعيف بسبب الطعن في الرواة(1)

 

تقدم الحديث عن الضعيف بسبب السقط من السند وفي هذه الحلقة وما بعدها نأخذ الضعيف بسبب الطعن في الراوي.

فالطعن:لغة: مصدر طعن يطعَن – بفتح العين – طعناً وطعناناً، ثلب بالقول السيئ

والطعن: الوقوع في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما.

ومنه الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي بلفظ: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء)(1).

واصطلاحاً: جرح الراوي باللسان والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه ومن ناحية ضبطه وحفظه وتيقُّظه.

تنبيه:

الكلام في الرواة ليس من الغيبة المحرمة، بل هو أمر جائز بإجماع أهل العلم فيما نقله النووي في رياض الصالحين(2). وقد أوجبه بعضهم للحاجة  إليه. إذ به يعرف صحيح الحديث من ضعيفه. وهذا لا يعني إطلاق عنان اللسان بجرح الرجال من غير حاجة، فإن ذلك إنما جوّز للضرورة الشرعية، ولهذا حكم العلماء بأنه لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة.

قال السخاوي: لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل بواحد(3)، إذا عرف ذلك فليس لكل شخص أن يجرح ويعدل، بل لا بد من توافر شروط اشترطها العلماء في الناقد للرجال والمتكلم فيهم كالعلم والتقوى والورع والصدق، والتجنُّب عن التعصب ومعرفة أسباب الجرح والتزكية.

تاريخ الجرح والتعديل

عن طاوس : جاء هذا إلى ابن عباس رضي الله عنه – يعني : يُشَيْر بن كعب – فجعل يحدثه ، فقال له ابن عباس رضي الله عنه : (( عُد لحديث كذا وكذا )) ، فعاد له ، ثم حدّثه ، فقال له : (( عُد لحديث كذا وكذا )) ، فعاد له ، فقال له بُشَيْر : (( ما أدري أعرفتَ حديثي كله وأنكرتَ هذا ؟ أم أنكرتَ حديثي كله وعرفتَ هذا ؟ )) ، فقال له ابن عباس رضي الله عنه : (( إنا كنا نُحَدِّث عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم إذ لم يكن يُكذَبُ عليه ، فلما ركب الناس الصَّعْبَ والذَّلول تركنا الحديث عنه))(4).

لذا كان أول ظهور لعلم الجرح والتعديل هو في عصر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم .

وفي عصر التابعين وأتباعهم

قال الإمام ابن حبان رحمه الله وهو يبين سلوك التابعين مسلك أئمتهم من الصحابة في التيقظ من الروايات وانتقاء الرجال : ( ... ثم أخذ مسلكهم ، واستن بسنتهم ، واهتدى بهديهم فيما استنوا من التيقظ من الروايات جماعة من أهل المدينة من سادات التابعين منهم : سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد بن أبى بكر ، وسالم بن عبدالله بن عمر، وعلي بن الحسين بن علي ، وأبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف ، وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة وخارجة بن زيد بن ثابت ، وعروة بن الزبير بن العوام ، وأبو بكر بن عبدالرحمن ابن الحارث بن هشام ، وسليمان بن يسار ،فَجَدُّوا في حفظ السنن والرحلة فيها ، والتفتيش عنها والتفقه فيها ولزموا الدين ودعوة المسلمين ، ثم أخذ عنهم العلم وتتبع الطرق وانتقاء الرجال، ورحل في جمع السنن جماعة بعدهم منهم : الزهري ، ويحيى بن سعيد الانصاري ، وهشام بن عروة ، وسعد بن إبراهيم في جماعة معهم من أهل المدينة ،إلا أن أكثرهم تيقظاً ، وأوسعهم حفظاً ، وأدومهم رحلةً ، وأعلاهم همةً الزهري رحمة الله عليه)(5).

قال محمد بن سيرين ( ت 110 هـ ) : ( لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا : سموا لنا رجالكم ، فيُنظر إلى أهل السنة فيُؤخذ بحديثهم ، ويُنظرإلى أهل البدع فلا يُؤخذ حديثهم )(6) .

وهو يحكي هنا ما كان عليه شيوخه من الصحابة وكبار التابعين من عدم التشدد في نقد الرجال لتوافر الأمانة والصدق والعدالة بينهم ، وعدم وجود ما يدعو للكذب ووضع الأحاديث ، فلما وقعت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه سنة 35 هـ ، وكثرت الهجمات على الإسلام ومحاولات التزوير في النصوص والكذب في الأحاديث ، أصبحوا يسألون عن الإسناد ويُدَقِّقون في المصادر فلا يقبلون من الروايات إلا ما توافرت فيه شروط القَبول من صدق ٍ وضبط .

إذا تقرر هذا فالطعن في الراوي من ناحيتين:

الأولى: من حديث عدم عدالته.

الثانية: من حيث عدم ضبطه.

وتقدّم تعريف العدالة والضبط عند الكلام على الحديث الصحيح.

_________________

(1) رواه أحمد ج 1ص405 ، والترمذي 1978 ، وصححه ابن حبان ج 1ص421 .

(2) ص 581 .

(3) فتح المغيث ج 3 ص325 .

(4) رواه مسلم في مقدمة صحيحه ص 12 – 13

قال د.الشريف حاتم العوني : ( فكان هذا أول تطبيق عملي ظاهر لعلم الجرح والتعديل ، وأولُ السؤال عن الإسناد ورفض المراسيل ، وذلك لظهور علتين اقتضتا ذلك ، وهما : علتا رواية المجروح والإرسال وعدم الإسناد ) المنهج المقترح لفهم المصطلح ص 30 .

(5) مقدمة كتاب المجروحين ص 38 – 39

(6)  أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ص 15