بحث عن بحث

 

 

 الضعيف بسبب الطعن في الرواة(2)

 

 

أوجه الطعن المتعلقة بانتفاء العدالة خمسة هي:

1- الكذب.  2- التهمة بالكذب. 3- الفسق. 4- البدعة. 5 – الجهالة.

وأوجه الطعن المتعلقة بانتفاء الضبط خمسة هي:

1- فحش الغلط . 2- الغفلة.  3- مخالفة الثقات. 4- الوهم. 5- سوء الحفظ.

  والحافظ ابن حجر -رحمه الله- لم يعتنِ بتمييز أحد القسمين عن الآخر  لمصلحة اقتضت ذلك وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد على سبيل التدلي من الأعلى إلى الأدنى فيها.

الوجه الأول من أوجه الطعن في الراوي:

الكذب:

تعريفه:

لغةً: نقيض الصدق، يقال: كذب يكْذِب كَذِباً وكِذْباً، وكَذِبة وكِذْبة(1).

واصطلاحاً: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عمداً كان أو سهواً(2). فلا يشترط لتسمية الكلام كذباً كونه صدر من قائله عمداً بل مجرد الإخبار على خلاف الواقع يسمّى كذباً بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)(3).

 ووجه الاستدلال من الحديث حيث قيّد الكذب بالتعمُّد، فدل على أن هناك كذباً آخر إلا أنه لا وعيد فيه وهو السهو والغلط، خلافاً للمعتزلة الذين يرون اشتراط العمدية لتسمية الكلام كذباً، ولذا يثبتون واسطة بين الصدق والكذب وهي كلام ليس بصدق ولا كذب(4).

حكم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أجمع من يُعتد بقوله من المسلمين على تحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحكم بأنه من كبائر الذنوب، لما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

وبالغ إمام الحرمين الجويني فكفر من يضع الحديث، لكن أبا المعالي ضعف هذا القول وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب  وأنه هفوة عظيمة(5).

 ونقل الذهبي عن ابن الجوزي قوله: ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض، وإنما الشأن في الكذب عليه فيما سوى ذلك(6).

 ولا عبرة بما ذهب إليه محمد بن كرَّام السجستاني من إباحة وضع الأحاديث المتضمنة للترغيب في الطاعة والتنفير من المعصية دون ما يتعلق به حكم من أحكام الشريعة، مؤولين حديث من كذب عليّ بقولهم: إنا نكذب له ولسنا نكذب عليه. ولا شك أن هذا القول متهافت، وهو أقل من أن يرد عليه، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر(7).

رواية الكاذب:

إذا تقرر هذا، فمن كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمداً في حديث واحد فسق، ورُدَّت روايته كلها، وبطل الاحتجاج بها جميعاً.

توبة الكاذب:

فإن تاب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اختلف العلماء في قبول روايته على قولين:

الأول: ذهب الإمام أحمد بن حنبل وأبو الحميدي شيخ البخاري وأبو بكر الصيرفي إلى أن توبته لا تؤثر في ذلك ولا تقبل روايته أبداً، بل يحتم جرحه دائماً(8).

 الثاني: ويرى آخرون أن توبته صحيحة وروايته مقبولة إذا صحت توبته، ورجّحه النووي وقال: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار: القطع بصحّة توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا، والله أعلم، اهـ.(9).

وذهب إلى ذلك – أيضاً – الصنعاني(10)

والظاهر صحة ما ذهب إليه النووي، للدليل الذي استدل به، ولضعف أكثر الآثار المعزوة للأئمة بخلاف ذلك، ولصنيع بعض العلماء على هذا.

 جاء في تاريخ بغداد (11/333) ترجمة علي بن أحمد بن الحسن محمد بن نعيم أبي الحسن البصري، المعروف بالنعيمي، قال الخطيب: حدثني الأزهري، قال: وضع النعيمي عَلَى أبي الحسين بن المظفر حديثاً لشعبة، ثم تنبّه أصحاب الحديث على ذلك، فخرج النعيمي عن بغداد لهذا السبب، وأقام حتى مات ابن المظفر، ومات من عرف قصته في وضعه الحديث، ثم عاد إلى بغداد، اهـ.

قال الذهبي في «الميزان» (3/114) ترجمة النعيمي هذا: قد بدت منه هفوة في صباه، واتُّهم بوضع الحديث، ثم تاب إلى الله، واستمر على الثقة، اهـ.

مع التحفظ على عبارة الذهبي : (هفوة) فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه متوعد بالنار وهذا دال على أنها كبيرة إلا أن النعيمي قد تاب وحسنت توبته.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إصلاح المنطق ص 189، والمحكم 6/ 491 ، ولسان العرب مادة ( كذب ) .

(2) شرح النووي على مسلم 1/69 ، 8/ 92 ، وفتح الباري 1/ 201 .

(3)  تقدم تخريجه ص 45 .

(4) انظر : شرح النووي 1/69 ، 8/ 92 ، وانظر : تهذيب الأسماء واللغات 2/ 2/ 113 .

(5) شرح النووي على مسلم 1/69.

(6)  الكبائر للذهبي ص 70 ، والزواجر لابن حجر الهيثمي 1/ 97 .

(7) فتح المغيث للسخاوي 1/243- 244 .

(8) علوم الحديث ص 104 .

(9) شرح النووي على مسلم 1/69- 70 .

(10) الصنعاني في «توضيح الأفكار» (2/148-149).