بحث عن بحث

 الضعيف بسبب الطعن في الرواة(11)

رواية المستور

 

اختلف العلماء في رواية من عُرفت عينه وعُرفت عدالته الظاهرة وجُهلت عدالته الباطنة، وهو ما يعرف بالمستور عند بعضهم، على قولين:

القول الأول: يرى جمهور العلماء أن روايته مردودة ما لم تثبت عدالته، مستدلين بأن الفسق يمنع القبول، وما لم تثبت العدالة فلا يظن عدم فسقه، لأنه أمر مغيّب عنا فكيف نقبله؟ وللأمر بالتثبت في قبول الأخبار في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا )) (الحجرات : 6).

 قال إمام الحرمين الجويني: الذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته، وهو المقطوع به عندنا(1). وقال الرافعي: وأطلق بعض المصنّفين الاكتفاء بالعدالة الظاهرة وهو بعيد(2).

القول الثاني: يرى جماعة من العلماء أن رواية المستور مقبولة وبه يقول الحنفية(3) وابن حبان(4). وعلّلوا ما ذهبوا إليه بما يلي:

1-  لأن الناس في أحوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب الطعن، ولم يكلف الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم(5).

2-      لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعمل بالظاهر ويتبرّأ من علم الباطن(6)، وإلى ذلك الإشارة  بقوله تعالى: (( لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )) ( التوبة : 101 ). وفي الحديث: (( أفلا شققت عن قلبه ؟ )) (7). ولذا قال النووي: الأصح قبول رواية المستور (8).

قال د. أحمد معبد: « وما حققه الحافظ ابن حجر من التوقف نقلاً عن إمام الحرمين فيه نظر، فإن الذي يفهم من باقي كلام إمام الحرمين: أن التوقف في رواية المستور يكون في بداية الأمر قبل تمام البحث عن حاله، فإذا انتهى بحثنا إلى اليأس من معرفة حاله رددنا حديثه كما هو رأي الجمهور».

أقول: كأن الخلاف بين ابن حجر والجمهور في هذه القضية لفظي لا معنوي، فإن التوقف مؤداه الامتناع عن العمل بالرواية، وهو بمعنى ردها).(9)

وقال ابن حجر في تعريف الحسن لغيره:« وهو الذي يكون حسنه بسبب الاعتضاد نحو حديث المستور إذا تعددت طرقه ». وقال في موضع من النخبة:« ومتى توبع السيء الحفظ بمعتبر ـ وكذا المستور والمرسل والمدلس ـ صار حديثهم حسناً لا لذاته، بل بالمجموع »(10).

والحاصل إن ابن حجر يقوي حديث المستور أو مجهول الحال بكثرة طرقه غير المتروكة، ولكن الشيخ أحمد شاكر رحمه الله خالف في هذا الأمر وهو يتكلم على مراتب التقريب:« وما بعدها [الضمير عائد للمرتبة الرابعة] فمن المردود، إلا إذا تعددت طرقه مما كان من الدرجة الخامسة والسادسة فيتقوى بذلك ويصير حسناً لغيره، وما كان من السابعة الى آخرها فضعيف على اختلاف درجات الضعيف من المنكر إلى الموضوع »(11). ولقد وافقه عبد الفتاح أبو غدة كما تقدم، وخالفه الأستاذ مصطفى بن إسماعيل فقال:« وقد حدث خطأ أو سبق قلم من الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى حين ذكر أن المجهول والمستور والضعيف لا يستشهد بهم، كما في الباعث الحثيث، وهذا خطأ لأن الواضح من صنيع الشيخ رحمه الله أنه يستشهد بهؤلاء، بل وأقل من هؤلاء»(12).

فائدة في معنى وشروط المستور عند ابن حجر:

قال ابن القطان في الوهم والإيهام:« المستورون من روى عن احدهم اثنان فأكثر ولم تعلم مع ذلك أحوالهم».

وقال ابن حجر:« وإن روى عنه [يعني عن الراوي] اثنان فصاعداً ولم يوثق فهو مجهول الحال وهو المستور»(13).

 فالراجح والله أعلم قبول رواية المستور لقوة الأدلة على قوله: ويجاب عما استدل به أصحاب الرأي الأول بأن سبب التثبُّت هو الفسق، فإذا انتفى الفسق كما هنا انتفى وجوب التثبت(14).

 __________________________________

(1) البرهان في أصول الفقه 1/614 .

(2) فتح العزيز شرح الوجيز 6/ 257 .

(3) الحنفية يختلفون مع المحدثين في حقيقة المستور وحكمه معًا؛ فالمحدثون يفرقون بين مجهول العين والمستور، واتفقوا على عدم قبول رواية مجهول العين، واختلفوا في رواية المستور فردها الجمهور وقبلها بعضهم. أما الحنفية فلم يفرقوا بينهما وحكموا برد روايته إلا إذا كان من أهل الصدر الأول.

والمراد بالعدالة الظاهرة عند الأحناف ظاهر الإسلام، وبالعدالة الباطنة اجتناب محظورات الشرع، والعدالة الباطنة هي المعتبرة في قبول الأخبار، إلا أنهم اكتفوا بالظاهرة في قبول رواية المستور بشرط أن يكون من أهل الصدر الأول. راجع: (منهج الحنفية في نقد الحديث للدكتور كيلاني محمد خليفةص 245- وما بعدها)

وحكى الحنفية في المستور روايتين عن أبي حنيفة، رواية محمد بن الحسن وهي ظاهر الرواية أنه كالفاسق فلا يقبل خبره، وفي رواية الحسن بن زياد أنه كالعدل فيقبل خبره، وهذه الرواية بناءً على القضاء بظاهر العدالة، والصحيح ما في ظاهر الرواية أن المستور كالفاسق لا يكون خبره حجة حتى تظهر عدالته إلا في الصدر الأول، فإن رواية المستور منهم مقبولة لكون العدالة أصلاً فيهم - كشف الأسرار (2/ 20)، التقرير والتحبير (2/ 247)، وفواتح الرحموت (2/ 146).

(4) الثقات لابن حبان 1/13 .

(5) الثقات لابن حبان 1/13 .

(6) كما جاء في حديث أسامة بن زيد في صحيح مسلم 2/99- 100 وغيره وفيه : ( أفلا شققت عن قلبه )) ، وأصله في البخاري 7/517 .

(7) كما جاء في حديث أسامة بن زيد في صحيح مسلم 2/99- 100 وغيره وفيه : ( أفلا شققت عن قلبه )) ، وأصله في البخاري 7/517

(8) المجموع شرح المذهب 6/277 .

(9) النفح الشذي(1/230)

(10) في (نزهة النظر) (ص71-شرح القاري)

(11) في (الباعث الحثيث) حيث قال (ص106)

(12) في (إتحاف النبيل) (ص39)

(13) في النزهة (ص53)

 (14) مقدمة فتح الملهم ص 154 .