بحث عن بحث

 

الضعيف بسبب الطعن في الرواة(12)

البدعة وأثرها في الرواية(1-3)

 

 

الوجه التاسع من أوجه الطعن في الراوي: البدعة:

تعريفها:

لغةً: البدعة في الأصل اختراع الشيء لا على مثال سابق، يقال: ابتدع فلان بدعة يعني: ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق سوء كانت  هذه الطريقة مذمومة أو ممدوحة(1)والله سبحانه وتعالى بديع السموات والأرض، أي: هو الخالق المخترع لهما لا عن مثال سابق: فعيل بمعنى مُفعِل، يقال: أبدع فهو مبدع(2).

 وأكثر ما يستعمل في الابتداع عرفاً في الذم(3).

 واصطلاحاً: كل ما أحدث في الدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم(4).

والمراد هنا –في بحث المصطلح- هو البدعة المذمومة. (5)

أما حكم رواية المبتدع:

اختلف العلماء في الرواية عن الراوي المبتدع كالمرجئ والقدري والرافضي والخارجي وغيرهم على أقوال:

الأول: يرى جمع من أهل العلم أن رواية أهل البدع لا تقبل مطلقاً وذلك لأنهم إما كفار أو فسّاق بما ذهبوا إليه، وكل من الكافر والفاسق مرود الرواية.

وهذا القول مروي عن الإمام مالك(6) والقاضي أبي بكر الباقلاني(7), واختاره الآمدي(8)، وجزم به ابن الحاجب(9).

وأيّد هذا الرأي بأن في الرواية عن المبتدع ترويجاً لأمره وتنويهاً بذكره.

وقد رد ابن الصلاح هذا الرأي وقال: إنه مباعد للشائع عن أئمة الحديث فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة(10).

القول الثاني: يرى بعض العلماء التفصيل، فإن كانت البدعة صغرى قُبل وإلا فلا، وبهذا قال الذهبي معلّلاً بأنه لو ردت مرويات هذا النوع – يعين من كانت بدعته صغرى – لذهب جملة من الآثار النبوية وفيه مفسدة بيّنة؛ لأن هذا النوع كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق.

وقال: وإن كانت البدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، لا سيما ولست أستحضر الآن من هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم والنفاق والتقية دثارهم فكيف يقبل من هذا حاله حاشا وكلاّ؟!(11).

القول الثالث: تفصيل أيضاً: وهو إن كان المبتدع داعية إلى مذهبه لم يقبل وإلا قبل إن لم يرو ما يؤيد بدعة وهو مذهب أكثر العلماء، ونسبه الخطيب البغدادي للإمام أحمد بن حنبل(12).

 بل نقل ابن حبان الاتفاق عليه حيث قال في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي من الثقات(13): وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره.

لكن قال السخاوي في فتح المغيث: كلام ابن حبان ليس صريحاً في الاتفاق لا مطلقاً ولا بخصوص الشافعية(14).

وأضاف الجمهور إلى كونه غير داعية أن لا يروي ما يؤيِّد بدعته، وبذلك صرّح الحافظ أبو  إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي في كتابه معرفة الرجال(15).اهـ.

قال الحافظ: وما قاله متجه؛ لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية(16).

 قال الحافظ العراقي(17):

والأكثرون ورآه الأعدلا              ردوا دعاتهم فقط ونقلا

فيه ابن حبان اتفاقاً ورووا      عن أهل بدع في الصحيح ما دعوا

وما يرد على هذا القول تخريج البخاري لبعض الدعاة إلى البدع مثل عمران بن حطان(18). الذي قال فيه المبرد: كان رأس القعديّة من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم (19).

 وقال ابن حجر: إنه كان داعية إلى مذهبه(20).

وأجيب عن ذلك: بأن البخاري إنما خرّج له ما حُمل عنه قبل ابتداعه ورده ابن حجر(21).

وقال ابن حجر في الفتح: إنما أخرج له البخاري على قاعدته في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادق اللهجة متديناً(22).

لكن ردّ ذلك البدر العيني على ابن حجر بقوله: ومن أين كان له صدق اللهجة وقد أفحش في الكذب في مدحه ابن  ملجم اللعين؟  والمتدين كيف يفرح بقتل مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى يمدح قاتله(23).

قلت: وهو قد قال هذه الأبيات وهو يظن صدق نفسه.

 

___________________________ 

(1) -  الصحاح واللسان مادة ( بدع ) ، وانظر : الاعتصام  1/18 ، وفتح الباري 13/ 253 . .

(2) - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير مادة ( بدع ) .

(3) - لسان العرب مادة ( بدع ) ، وانظر : إصلاح المساجد للقاسمي ص 11 .

(4) - مشارق الأنوار لعياض 1/81 .

(5)  - وهناك من قسم البدع إلى خمسة أقسام على الأحكام التكليفية كالعز بن عبد السلام في قواعد الأحكام 2/172- 174 ، ولم يرتض هذا التقسيم الشاطبي في - الاعتصام 1/150 – .151 وقال: إن هذا لا دليل عليه

(6)  - الكفاية ص 194 ، والمدخل للحاكم ص 96 .

(7) - المستصفى 2/160 .

(8)  - الأحكام 2/83 ، ومنتهى السول 1/80 .

(9)  - مختصر ابن الحاجب 2/62-63 .

(10) - علوم الحديث ص 104 .

(11)  - ميزان الاعتدال 1/60 .

(12) - الكفاية ص 195 ، وانظر : ميزان الاعتدال 2/260 ، وتهذيب التهذيب 4/301 .

(13)  -  الثقات 6/140 .

(14)  - فتح المغيث 2/65 .

(15) - أحوال الرجال ص 32.

(16)  - شرح النخبة ص 51 .

(17)  - ألفية العراقي رقم (297 ) .

(18)  - البخاري  10/285 رقم 5835 .

(19)  - الكامل للمبرد 3/895 .

(20)  - هدي الساري ص 432 .

(21)  - هدي الساري ص 433 .

(22)  - فتح الباري 10/290 .

(23)  - عمدة القاري 22/13 .