بحث عن بحث

 الضعيف بسبب الطعن في الرواة(14)

البدعة وأثرها في الرواية (3-3)

 

من رمي ببدعة في الصحيحين:

كان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى أعلم أهل عصرهما في الحفظ والإتقان والضبطوالرواية وعلل الجرح والتعديل ومشهود لهما بذلك ممن عاصرهما وممن جاء بعدهما .. وقدسبر العلماء كتابيهما واعتنوا بهما عناية فائقة.

قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري. (1)

وقال ابن خزيمة : ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- وأحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري. ومثل هذا كثير جدًا في ترجمة البخاري رحمه اللّه تعالى(2) .

وأما مسلم فقد قال أبو الفضل محمد بن إبراهيم: سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة ، وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشائخ عصرهما. (3)

وقال النووي : أجمعوا على جلالته ، وإمامته ، وعلو مرتبته ، وحذقه في هذه الصنعة ، وتقدمه فيها ، وتضلعه منها . وقال: هو أحد أعلام أئمة هذا الشأن المعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق و العرفان(4).

ومثله كثير في كتب التراجم تركناه مخافة الطول .

إذا علم هذا ، وعلم أن من منهجهما الذي عرف بالاستقراء هو الانتقاء من حديث الرواة أكثرهم صحبة لشيخه وأعرفهم بحديثه وإن أخرجا من لا يكون بهذه الصفة فإنما يكون في المتابعات أو حيث تقوم لهما قرينة بأن ذلك مما ضبطه الراوي ، فبمجموع ذلك وصف الكتابان بالصحة وفاقا غيرهما من المصنفات وتلقت الأمة كتابيهما بالقبول

وبخصوص الرواة الذين وصفوا بالبدعة في الصحيحين أو أحدهما فإننا نقول ما يلي:-

1- كثير من هؤلاء الرواة لم تثبت بدعتهم أو ثبتت لكنهم تابوا منها.

2- هناك رواة ثبتت بدعتهم لكن توافرت فيهم شروط القبول وهي تحري الصدق والضبط في الحديث – على ما سبق ترجيحه في حكم رواية المبتدع-

3- قليل أو نادر من هؤلاء الرواة لم تتوفر فيه الشروط وقبلت روايته لاعتبارات أخرى كاختصاصه بشيخه.

4-   أو تكون الرواية لهؤلاء القلة ليس في الأصول وإنما في الشواهد والمتابعات.

5- وأخيراً تبين من خلال دراسة هؤلاء الرواة أنهم بشكل عام من أهل الصلاح والتقوى وإنما وقعوا في هذه البدع من باب التأويل وهذا يفسر شدة صدقهم وتحريهم لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهم ليسوا من الغلاة في بدعهم وإنما كانوا يمثلون ظاهرة مذهبية انتشرت آنذاك(5).

ومن هؤلاء الرواة الذين رموا ببعض البدع في الصحيحين:

أ/إبراهيم بن طهمان ثقة متقن من رجال الصحيحين(6).

قال الحافظ ابن حجرتهذيب التهذيب " (1 / 113) : (( قلت : الحق فيه أنه ثقة صحيح الحديث إذا روى عنه ثقة ولم يثبت غلوه في الإرجاء ولا كان داعية إليه بل ذكر الحاكم أنه رجع عنه والله أعلم

ب / شبابة بن سوار احتج به الشيخان ووثقه غير واحد ، لكن قال الإمام أحمد فيه : داعية إلى الإرجاء و كان يحمل عليه (7).

مع أنه قد حكى الحافظ ابن حجر في "هدي الساري مقدمة فتح البارى " عن سعيد بن عمرو البردعي عن أبي زرعة أن شبابة رجع عن الإرجاءت / حريز بن عثمان الحمصي

جاء في ترجمته من " هدي الساري " ( 396 ) : ((من صغار التابعين وثقه أحمد وبن معين والأئمة لكن قال الفلاس وغيره : أنه كان ينتقص عليا

وقال أبو حاتملا أعلم بالشام أثبت منه ولم يصح عندي ما يقال عنه من النصب

قال الحافظ ـ : جاء عنه ذلك من غير وجه وجاء عنه خلاف ذلك ، وقال البخاري : قال أبو اليمان كان حريز يتناول من رجل ثم ترك

قلت ـ الحافظ ـفهذا أعدل الأقوال فلعله تاب

وقال الحافظ الذهبي في "السير " (7 / 80 ـ 81) : (( وقد قال أبو حاتم: لا يصح عندي ما يقال في رأيه، ولا أعلم بالشام أحدا أثبت منه

وقال أحمد بن حنبل: حريز ثقة ثقة ثقة، لم يكن يرى القدر

وقال أبو اليمان: كان ينال من رجل، ثم ترك ذلك

وقال علي بن عياش: سمعت حريز بن عثمان يقول: والله ما سببت عليا قط

قلت ـ الذهبي ـهذا الشيخ كان أورع من ذلك، وقد قال معاذ بن معاذ: لا أعلم أني رأيت شاميا أفضل من حريز ث / شيخ الإسلام الفضل بن دكين

جاء في ترجمته من " هدي الساري " (ص 434) : (( الفضل بن دكين أبو نعيم الكوفي أحد الأثبات قرنه أحمد بن حنبل في التثبت بعبد الرحمن بن مهدي ، وقال : إنه كان أعلم بالشيوخ من وكيع ، وقال مرة كان أقل خطأ من وكيع والثناء عليه في الحفظ والتثبت يكثر ، إلا أن بعض الناس تكلم فيه بسبب التشيع ومع ذلك فصح أنه قال ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية احتج به الجماعة

ج / الإمام وهب بن منبه

جاء في ترجمته من " تهذيب التهذيب " (11 / 148) : (( قال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن أبيه حج عامة الفقهاء سنة مائة فحج وهب فلما صلوا العشاء اتاه نفر فيهم عطاء والحسن وهم يريدون أن يذاكروه القدر ، قال : فأمعن في باب من الحمد فما زال فيه حتى طلع الفجر فافترقوا ولم يسألوه عن شئ

قال أحمد : وكان يتهم بشئ من القدر ثم رجع

وقال حماد بن سلمة عن أبي سنان سمعت وهب بن منبه يقول : كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الانبياء في كلها من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر فتركت قولي

وقال الجوزجاني : كان وهب كتب كتابا في القدر ثم حدثت انه ندم عليه

وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار دخلت على وهب داره بصنعاء فاطعمني جوزا من جوزة في داره فقلت له : وددت انك لم تكن كتبت في القدر ، فقالأنا والله وددت ذلك

ح / الإمام المفسر الحافظ عكرمة المدني البربري

فهذا الإمام الكبير ممن قد رمي برأي نجدة الحروري وهو منه برئ

قال الحافظ الإمام أبو عمر ابن عبدالبر في " التمهيد " (2 /27 ) عكرمة مولى ابن عباس من جلة العلماء لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه وقد يحتمل أن يكون مالك جبن عن الرواية عنه لأنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يرميه بالكذب ، ويحتمل أن يكون لما نسب إليه من رأي الخوارج وكل ذلك باطل عليه إن شاء الله )الخ

__________________________

(1) - تاريخ بغداد(2/121)

(2) - هدي الساري(485) سير أعلام النبلاء(12/421) .

(3) - تذكرة الحفاظ(12/579)

(4) - تهذيب الأسماء واللغات(2/90)

(5) - ينظر رسالة ماجستير في هذا الباب بعنوان(منهج الإمام البخاري في الرواية عن من رمي بالبدعة ومروياتهم في الجامع الصحيح)لإندونيسيا بنت خالد محمد حسون وهي بجامعة أم القرى.ورسالة ماجستير (منهج الإمام مسلم في الرواية عمّن رُمِيَ بالبدعة) معتز يوسف جميل صبيح بجامعة النجاح بنابلس.

(6)- الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب " (1 / 35)

(7) - الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم " (1 / 107) ، و" تهذيب التهذيب " (4 / 264)