بحث عن بحث

 

 

 من علوم الإسناد (2)

 

 

 إذا روى الراوي عمن هو دونه في السن أو في المقدار فليعلم أن هذا النوع يسمى رواية الأكابر عن الأصاغر.

والأصل في هذا الباب رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن تميم الداري حديث الجساسة وهو في صحيح مسلم(1).قاله الحافظ العراقي(2).

والفائدة منه كما قاله ابن الصلاح(3): أن لا يتوهم كون المروي عنه أكبر أو أفضل من الراوي نظراً إلى أن الأغلب كون المَروي عنه كذلك فيجهل بذلك منزلتهما، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم(4).

وقال ابن الصلاح: ثم إن ذلك يعني رواية الأكابر عن الأصاغر على أضرب:

منهما: أن يكون الراوي أكبر سنّاً وأقدم طبقة من المَروي عنه كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري في روايتهما عن مالك.

ومنها : أن يكون الراوي أكبر قدراً من المَروي عنه بأن يكون حافظاً عالماً والمروي عنه شيخاً راوياً فحسب، كمالك في روايته عن عبد الله بن دينار وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في روايتهما عن عبيد الله بن موسى.

ومنها: أن يكون الراوي أكبر من الوجهين جميعاً، كرواية كثير من العلماء والحفاظ عن أصحابهم وتلامذتهم، كالحافظ عبد الغني في روايته عن الصوري وكرواية البرقاني عن الخطيب ورواية الخطيب عن ابن ماكولا.

ويندرج تحت هذا النوع ما يذكر من رواية الصحابي عن التابعي، كرواية العبادلة وغيرهم من الصحابة عن كعب الأحبار، وكذلك رواية التابعين عن تابع التابعين وهكذا(5).

ومن جملة هذا النوع رواية الآباء عن الأبناء وصنَّف فيه الخطيب كتاباً روى فيه من حديث العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين بالمزدلفة(6).

وقال ابن الصلاح: روينا عن وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل وهما ثقتان أحاديث منها: عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخّروا الأحمال فإن اليد معلَّقة والرجل موثقة "(7).

قال الخطيب: لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلمه إلا من جهة بكر وأبيه (8).

وأما رواية الأصاغر عن الأكابر فهو الكثير الغالب  والجادة المسلوكة، وأمثلته كثيرة جداً بحر في كثرتها فلا يغالب، ومنه رواية الأبناء عن الآباء، وصنّف فيه أبو نصر الوائلي الحافظ.

قال ابن الصلاح: وأهمه ما لم يسمع فيه الأب والجد وهو نوعان: أحدهما: رواية الابن عن الأب عن الجد نحو: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وله بهذا نسخة كبيرة أكثرها فقهيات جياد. وشعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.

وقد احتج أكثر أهل الحديث بحديثه حملاً لمطلق الجد فيه على الصحابي عبد الله بن عمرو دون ابنه محمد والد شعيب، ونحوه: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، روى بهذا الإسناد نسخة كبيرة حسنة وجدُّه هو معاوية بن حيدة القشيري، وطلحة بن مصرف عن أبيه عن جده وجدُّه عمرو بن كعب اليامي، ويقال: كعب بن عمرو(9)

قال الحافظ: وجمع الحافظ صلاح الدين العلائي من المتأخرين مجلداً  كبيراً في معرفة من روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم وقسّمه أقساماً، فمنه ما يعود الضمير في قوله عن جده على الراوي، ومنه ما يعود الضمير فيه على أبيه وبين ذلك وحقّقه وخرّج في كل ترجمة حديثاً من مرويه. وقد لخّصت كتابه المذكور وزدت عليه تراجم كثيرة جداً. وأكثر ما وقع فيه ما تسلسلت فيه الرواية عن الآباء بأربعة عشراً أباً(10).

وصنّف فيه ابن قطلوبغا كتاباً سمّاه من روى عن أبيه عن جده(11)   .

_____________________

(1) صحيح مسلم 4/2263 .

(2) شرح العراقي على ألفيته 4/60 .

(3) علوم  الحديث ص 276 .

(4) أخرجه أبو داود في الأدب رقم 4842 ، والحاكم في المعرفة ص 49 ، وصححه وخرَّجه مسلم بلفظ : أمرنا أن ننزل منازلهم .

(5) علوم الحديث ص 276- 277 .

(6) رواه الخطيب وأصله في الصحيحين وغيرهما ؛ البخاري 1/370، 2/602 ، ومسلم 2/933.

(7) كنز العمال للهندي 2495 ز

(8) علوم الحديث ص 281 – 282 ، قال البيهقي في السنن الكبرى 6/122: وصله قيس بن الربيع عن أبي بكر بن وائل ورواه سفيان بن عيينة عن وائل أو بكر بن وائل ، هكذا بالشك عن الزهري يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم

(9) علوم الحديث ص 283- 284 .

(10) شرح النخبة ص 128 – 129 .

(11) طبع محققاً في مجلد .