بحث عن بحث

الحلقة(96)

معرفة صفة التصنيف في الحديث(4)


الحادي عشر: كتب الأطراف.


من أنواع كتب الحديث كتب الأطراف، وهي بعض ما عمله علماء الحديث في سبيل الفهرسة؛ والمراد بالأطراف بدايات الأحاديث وأوائلها.
وكتب الأطراف هي كتب يذكر فيها مصنفوها أحاديث بعض كتب الرواية مختصرة مرتبة على المسانيد.
فيجمع أحدهم أحاديث الصحيحين أو السنن الأربعة أو غيرها من الكتب، ثم يفرد روايات كل صحابي وحده، ويرتب أسماء الصحابة على حروف المعجم، ويذكر أحاديثهم حديثاً حديثاً باختصار، ويبين موضع كل حديث في الكتاب الذي هو فيه، كأن يكون في البخاري في أبواب الصلاة، أو في مسلم في أبواب الطهارة، وهكذا؛ ويشير إلى اسناده باختصار أيضاً؛ وإذا تكرر الحديث بأسانيد متعددة أشار إليها كلها وبين مواضعها.
ومن كتب الأطراف كتاب (أطراف الصحيحين) لخلف بن حمدون الواسطي (ت 401) و(أطراف الغرائب والأفراد) لابن طاهر المقدسي (ت 507) رتب فيه كتاب (الأفراد) للدارقطني على حروف المعجم، وكتاب (الأطراف) لابن عساكر الدمشقي (ت 571)، و(ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث) لعبد الغني النابلسي(ت 1143)، وقد جعله أطرافاً للكتب الستة وموطأ مالك، و(تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف) للمزي، طرّف فيه الكتب الستة، وهو أشهر وأنفع كتب هذا الباب، وطريقته فيه: أنه إن كان الصحابي من المكثرين رتب حديثه على الحروف أيضاً في الرواة عنه، وكذا يفعل في التابعي، حيث يكون من المكثرين عن ذلك الصحابي وهكذا. وطرّف أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي – بفتح المهملة وقاف – الكتب الخمسة وابن حجر الكتب العشرة.
وفي هذا العصر يقوم مقام كتب الأطراف كتب فهارس الأحاديث وهي كثيرة جداً؛ ويندر أن يوجد كتاب من كتب الأحاديث المطبوعة إلا وله فهرس ملحق به أو مفصول عنه.


الثاني عشر: كتب غريب الحديث
المراد بـ(غريب الحديث) ما وقع في الأحاديث من كلمات يخفى معناها على كثير من الناس بسبب غرابتها بينهم وقلة تداولها عندهم.
وهذا الفن هو في الحقيقة فرع من فروع العربية لا من فروع علم الحديث، ولكنه مما لا يستغني عنه محدث ولا فقيه ولا مفسر.
أما المفسر والفقيه فحاجتهما إليه ظاهرة لا خفاء بها، وأما المحدث فإن كان راوياً بالمعنى أو قائماً بطبع شيء من كتب الحديث وتحقيقها فلا بد له من معرفة هذا الفن، وأما إن كان ناقداً فلا بد له منه أيضاً لأنه يعينه على معرفة ما يقع في الأحاديث من الشذوذ والنكارة وسائر أنواع الاختلاف في المتن، وبدونه لا يتمكن من الجمع بين متون الروايات إذا اختلفت
وقد ألف العلماء في هذا الفن عشرات من الكتب، وجملة منها انتشرت واشتهرت، فلا أرى الإطالة بذكرها أو ذكر أهمها ولا سيما أن ذلك خارج عن موضوع الكتاب.
ثم إن من أهم مقاصد كتب شروح الحديث - على كثرة مقاصدها - هو شرح الكلمات الغريبة الواردة في الأحاديث المشروحة.

وأول من جمع في هذا الفن أبو عبيدة معمر بن المثنى 209ه ، فجمع من ألفاظ  غريب الحديث والأثر كتيباً صغيراً، ولم تكن قلته لجهله بغيره من غريب الحديث ، وإنما كان ذلك لأمرين : أحدهما أن كل من بدأ في فن لم يسبق إليه فإنه يكون قليلاً ثم يكبر ، والثاني أن الناس يومئذ كان عندهم معرفة بلغة العرب ، ولم يكن الجهل باللغة قد عم كما حصل في العصور المتأخرة .

ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل المازني  203هـ) كتاباً أكبر من كتاب أبي عبيدة بسط فيه القول على صغر حجمه .

ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي المشهور 216هـ) كتاباً أحسن فيه وأجاد ،  وكان كتابه أكبر حجماً ممن سبقه .

وكذلك فعل محمد ابن المستنيرالمعروف بقطرب (209هـ) وغيره من الأئمة الذين جمعوا أحاديث وتكلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذوات عدد ، ولم يكد أحدهم ينفرد عن الآخر بكثير من الأحاديث .

واستمر الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام224هـ ، فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار ، والذي أفني فيه عمره حيث جمعه في أربعين سنة ، وهو كتاب حافل بالأحاديث والآثار الكثيرة المعاني ، اللطيفة الفوائد ، وكان يظن رحمه الله على كثرة تعبه أنه أتى على معظم الغريب .

وبقي كتابه معتمد الناس إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم قتيبة الدينوريـ 276هـ فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث ، ولم يودعه شيئاً من كتاب أبي عبيد إلا ما دعت إليه الحاجة من زيادة شرح وبيان ، أو استدراك أو اعتراض ، فجاء مثل كتاب أبي عبيد أو أكثر منه ، وقال في مقدمته : أرجو أن لا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب  الحديث ما يكون لأحد فيه مقال .

وكان في زمان ابن قتيبة الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي الحافظ فجمع كتاباً كبيراً في خمس  مجلدات بسط القول فيه ، واستقصى الأحاديث عن طريق أسانيدها ، وأطاله بذكر متونها ، فطال كتابه وتُرِك وهجر ، وإن كان كثير الفوائد ، وقد توفى ببغداد سنة (285هـ).

ثم أكثرَ الناسُ من التصانيف في هذا الفن ، واستمر الحال إلى عهد الإمام الخطابي البستي المتوفى سنة (378هـ) فألف كتابه المشهور في غريب الحديث ، وسلك فيه نهج أبي عبيد وابن قتيبة ، وصرف عنايته فيه إلى جمع ما لا يوجد في كتابيهما ، فاجتمع له من ذلك ما يداني كتاب أبي عبيد وكتاب ابن قتيبة .

الحلقة(96)

معرفة صفة التصنيف في الحديث(4)


الحادي عشر: كتب الأطراف.


من أنواع كتب الحديث كتب الأطراف، وهي بعض ما عمله علماء الحديث في سبيل الفهرسة؛ والمراد بالأطراف بدايات الأحاديث وأوائلها.
وكتب الأطراف هي كتب يذكر فيها مصنفوها أحاديث بعض كتب الرواية مختصرة مرتبة على المسانيد.
فيجمع أحدهم أحاديث الصحيحين أو السنن الأربعة أو غيرها من الكتب، ثم يفرد روايات كل صحابي وحده، ويرتب أسماء الصحابة على حروف المعجم، ويذكر أحاديثهم حديثاً حديثاً باختصار، ويبين موضع كل حديث في الكتاب الذي هو فيه، كأن يكون في البخاري في أبواب الصلاة، أو في مسلم في أبواب الطهارة، وهكذا؛ ويشير إلى اسناده باختصار أيضاً؛ وإذا تكرر الحديث بأسانيد متعددة أشار إليها كلها وبين مواضعها.
ومن كتب الأطراف كتاب (أطراف الصحيحين) لخلف بن حمدون الواسطي (ت 401) و(أطراف الغرائب والأفراد) لابن طاهر المقدسي (ت 507) رتب فيه كتاب (الأفراد) للدارقطني على حروف المعجم، وكتاب (الأطراف) لابن عساكر الدمشقي (ت 571)، و(ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث) لعبد الغني النابلسي(ت 1143)، وقد جعله أطرافاً للكتب الستة وموطأ مالك، و(تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف) للمزي، طرّف فيه الكتب الستة، وهو أشهر وأنفع كتب هذا الباب، وطريقته فيه: أنه إن كان الصحابي من المكثرين رتب حديثه على الحروف أيضاً في الرواة عنه، وكذا يفعل في التابعي، حيث يكون من المكثرين عن ذلك الصحابي وهكذا. وطرّف أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي – بفتح المهملة وقاف – الكتب الخمسة وابن حجر الكتب العشرة.
وفي هذا العصر يقوم مقام كتب الأطراف كتب فهارس الأحاديث وهي كثيرة جداً؛ ويندر أن يوجد كتاب من كتب الأحاديث المطبوعة إلا وله فهرس ملحق به أو مفصول عنه.


الثاني عشر: كتب غريب الحديث
المراد بـ(غريب الحديث) ما وقع في الأحاديث من كلمات يخفى معناها على كثير من الناس بسبب غرابتها بينهم وقلة تداولها عندهم.
وهذا الفن هو في الحقيقة فرع من فروع العربية لا من فروع علم الحديث، ولكنه مما لا يستغني عنه محدث ولا فقيه ولا مفسر.
أما المفسر والفقيه فحاجتهما إليه ظاهرة لا خفاء بها، وأما المحدث فإن كان راوياً بالمعنى أو قائماً بطبع شيء من كتب الحديث وتحقيقها فلا بد له من معرفة هذا الفن، وأما إن كان ناقداً فلا بد له منه أيضاً لأنه يعينه على معرفة ما يقع في الأحاديث من الشذوذ والنكارة وسائر أنواع الاختلاف في المتن، وبدونه لا يتمكن من الجمع بين متون الروايات إذا اختلفت
وقد ألف العلماء في هذا الفن عشرات من الكتب، وجملة منها انتشرت واشتهرت، فلا أرى الإطالة بذكرها أو ذكر أهمها ولا سيما أن ذلك خارج عن موضوع الكتاب.
ثم إن من أهم مقاصد كتب شروح الحديث - على كثرة مقاصدها - هو شرح الكلمات الغريبة الواردة في الأحاديث المشروحة.

وأول من جمع في هذا الفن أبو عبيدة معمر بن المثنى 209ه ، فجمع من ألفاظ  غريب الحديث والأثر كتيباً صغيراً، ولم تكن قلته لجهله بغيره من غريب الحديث ، وإنما كان ذلك لأمرين : أحدهما أن كل من بدأ في فن لم يسبق إليه فإنه يكون قليلاً ثم يكبر ، والثاني أن الناس يومئذ كان عندهم معرفة بلغة العرب ، ولم يكن الجهل باللغة قد عم كما حصل في العصور المتأخرة .

ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل المازني  203هـ) كتاباً أكبر من كتاب أبي عبيدة بسط فيه القول على صغر حجمه .

ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي المشهور 216هـ) كتاباً أحسن فيه وأجاد ،  وكان كتابه أكبر حجماً ممن سبقه .

وكذلك فعل محمد ابن المستنيرالمعروف بقطرب (209هـ) وغيره من الأئمة الذين جمعوا أحاديث وتكلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذوات عدد ، ولم يكد أحدهم ينفرد عن الآخر بكثير من الأحاديث .

واستمر الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام224هـ ، فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار ، والذي أفني فيه عمره حيث جمعه في أربعين سنة ، وهو كتاب حافل بالأحاديث والآثار الكثيرة المعاني ، اللطيفة الفوائد ، وكان يظن رحمه الله على كثرة تعبه أنه أتى على معظم الغريب .

وبقي كتابه معتمد الناس إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم قتيبة الدينوريـ 276هـ فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث ، ولم يودعه شيئاً من كتاب أبي عبيد إلا ما دعت إليه الحاجة من زيادة شرح وبيان ، أو استدراك أو اعتراض ، فجاء مثل كتاب أبي عبيد أو أكثر منه ، وقال في مقدمته : أرجو أن لا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب  الحديث ما يكون لأحد فيه مقال .

وكان في زمان ابن قتيبة الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي الحافظ فجمع كتاباً كبيراً في خمس  مجلدات بسط القول فيه ، واستقصى الأحاديث عن طريق أسانيدها ، وأطاله بذكر متونها ، فطال كتابه وتُرِك وهجر ، وإن كان كثير الفوائد ، وقد توفى ببغداد سنة (285هـ).

ثم أكثرَ الناسُ من التصانيف في هذا الفن ، واستمر الحال إلى عهد الإمام الخطابي البستي المتوفى سنة (378هـ) فألف كتابه المشهور في غريب الحديث ، وسلك فيه نهج أبي عبيد وابن قتيبة ، وصرف عنايته فيه إلى جمع ما لا يوجد في كتابيهما ، فاجتمع له من ذلك ما يداني كتاب أبي عبيد وكتاب ابن قتيبة .