بحث عن بحث

 

                                                                        

                               أقسام الخبر باعتبار وصوله إلينا

 

 

الخبر أو الحديث أما أن يأتي إلينا بطرق كثيرة غير محصورة أو يأتي بطرق محصورة فالأول يسمى المتواتر والثاني الآحاد وسنأخذ في هذه الحلقة المتواتر من خلال العناصر التالية :ـ

  

أولاً:  المتواتر

 

ـ تعريفه:

لغةً: مشتق من التواتر يعني التتابع، يقال تواترت الإبل إذا جاءت في أثر بعض ولم تجيء دفعة واحدة (1) .

واصطلاحاً:  هو الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة عن مثلهم من أوله إلى آخره  (2)

وأضاف النووي أنهم يخبرون عن حسي لا مظنون وقريب منه تعريف الحافظ في النخبة  (3)

ـ شروطه:

للمتواتر شروط تؤخذ من التعريف وهي :

1ـ أن يخبر به عدد كثير يحصل العلم الضروري بصدق خبرهم على الصحيح من غير تحديد للعدد على الصحيح  (4) .

2ـ أن يخبروا عن علم لا عن ظن , فلو أخبر أهل بلد عن طائر ظنوه حماماً أو شخص ظنوه زيداً لم يحصل العلم بكونه حماماً أو زيداً.

3ـ أن يكون الخبر مستنداً إلى شيء من الحواس لا لمجرد إدراك العقل فهذا لا يفيد العلم.

4ـ  أن توجد هذه الشروط في جميع طبقات السند لأن كل عصر يستقل بنفسه.      

 

أقسامه :

ينقسم المتواتر عدة أقسام:  

1-   المتواتر اللفظي: وهو ما تواتر لفظه ومعناه.

 ومثاله :حديث ((من كذب متعمدا فليتبوأ مقعده من النار))  (5)  فقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان وستون نفساً منهم العشرة المبشرون بالجنة  (6)

2-     المتواتر المعنوي :وهو ما تواتر معناه دون لفظه, وذلك كأحاديث رفع اليدين في الدعاء والحوض والرؤية وغيرها.ويسمى تواتر القدر المشترك.

ومن العلماء من لا يرى بأساً في أن يكون المتواتر المعنوي في أوله أحادياً ثم يشتهر بعد ذلك ويستفيض , فيسلكون حديث (إنما الأعمال بالنيات ) في عداد ما تواتر معنى مع أنه آحاد في بدايته  (7) .

 وسيأتي تفصيله في حلقات قادمة إن شاء الله

 

3- تواتر الطبقة: كتواتر القران الكريم , فقد تواتر على البسيطة شرقا وغربا

درسا وتلاوة وحفظا وقراءة, وتلقاه الكافة عن  الكافة طبقة عن طبقة حتى وقت الرسالة .

4ـ تواتر العمل والتوارث: وهو أن يعمل به في كل قرن من عهد صاحب الشريعة إلى يومنا هذا جم غفير من العاملين ,بحيث يستحيل عادة تواطؤهم على كذب كأعداد الصلوات الخمس  (8)

 

وجوده :

ذكر ابن حبان والحازمي أن الحديث المتواتر غير موجود أصلاً(9)

وذكر ابن الصلاح  والنووي (10)  انه قليل نادر, لكن الحافظ ابن حجر رد هذين

القولين في شرح النخبة فقال :ما ادعاه- يعني ابن الصلاح – من العزة ممنوع ,وكذا ما ادعاه غيره من العدم ,لان ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على كذب أو يحصل منهم اتفاقا.

ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر بأيدي أهل العلم شرقا وغربا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددا تحيل العادة تواطؤهم على الكتاب إلى آخر الشروط ,أفاد العلم اليقيني إلى قائله, ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير  (11)

 

حكمه:

الخبر المتواتر يجب تصديقه ضرورة , لأنه مفيد للعلم القطعي الضروري فلا حاجة إلى البحث عن أحوال رواته.

قال الحافظ : المعتمد أن الخبر المتواتر يفيد العلن الضروري, وهو الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه. وقيل:لا يفيد العلم إلا نظريا وليس بشيء,لأن العلم حاصل به لمن ليس له أهلية النظر كالعامي, والنظري يفيد

لكن بعد النظر والاستدلال  (12)  

وخالف في إفادة المتواتر العلم فرقة من عبدة الأصنام يقال لهم:السمينة الذين حصروا العلم في الحواس  (13) .وهذا مذهب باطل, لأنه لا يختلف اثنان

في بلدة تسمى مكة وأخرى تسمى بغداد وان لم يدخلاهما.وقد نبه الله في مواضع من كتابه على إفادة المتواتر العلم اليقيني , حيث جعله بمنزلة الرؤية البصرية, فخطاب الله رسوله والمؤمنين وغيرهم بأمثال قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) وقوله ) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (

وقوله (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ  )

فإن هذه الوقائع معلومة عندهم بالتواتر, فعبر عن علمها برؤيتها ,وفيه إشارة إلى أنه جعل العلم الحاصل من المتواتر بمنزلة المشاهد في القطعية   (14)

 

مصادره:

ألف في جمع المتواتر عدة مؤلفات

1-    الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة ,للسيوطي .

2-   قطف الأزهار له ,وهو مختصر من الذي مثله .

3-   نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني .


 


(1)  تاج العروس للزبيدي مادة (وتر).

 (2) علوم الحديث 241، التقريب مع التدريب 2/176.

)3) شرح النووي على صحيح مسلم1/131 نزهة النظر ص 58.

(4) ـ منهم من يرى أن أٌقل عدد هو أربعة لقوله تعالى (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) ومنهم من قال خمسة كما في آيات الملاعنة ومنهم من قال عشرة ، لأن ما دون العشرة آحاد ومنهم من قال اثني عشر لأن الله يقول (وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً) ومنهم من قال عشرون لقوله (إن يكن منكم عشرون ) ومنهم من قال سبعون لقوله (واختار موسى قومه سبعين رجلاً) ويلاحظ أن هذه الأعداد  وإن كانت مستنبطة من القرآن إلا أنها ليست صريحة الدلالة فكل عدد منها جاء في سياق يخصه ، فالراجح عدم اشتراط العدد .ينظر تدريب الراوي1/170

(5)رواه البخاري 1/200-202 مع الفتح ,ومسلم 1/66-67 مع النووي,وابوداود3651,والترمذي 661,وابن ماجه 37-30,واحمد 2/159

(6) ينظر مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح (1/777) وذكر الحافظ ابن الصلاح أنهم يصلون إلى أكثر من ذلك ولا يوجد حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرون بالجنة غير هذا الحديث ولا يعرف أيضاً حديث رواه هذا العدد من الصحابة غيره.

(7)ـ تدريب الراوي 2/176 توضيح الأفكار 1/24 علوم الحديث د. صبحي الصالح 150

(8) فيض الباري لمحمد أنور الكشميري 1/71.

(9)  شرح  شرح النخبة لملا علي قاري ص29

(10)  علوم الحديث ص242,والتقريب مع التدريب 2/176.

(11) نزهة النظر ص61-62

 (12)  نزهة النظر ص58-59

(13) المستصفى للغزالي1/132

 

 (14)  مقدمة فتح الملهم لشبير احمد ص11.