بحث عن بحث

 

 

تقسيم الخبر باعتبار قائله أو باعتبار النسبة والإضافة(7)

الحديث الموضوع (2)

 

 

 

ما يعرف به الحديث الموضوع :

 

ذكر العلامة أبن القيم رحمه الله في المنار المنيف أن من تضلع في معرفة السنن الصحيحة واختلطت بلحمه ودمه وصار فيها ملكة وله اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار ومعرفة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه فيما يأمر به وينهي عنه ويخبر عنه ويدعو إليه ويحبه ويكره ويشرعه للأمة , بحث يصير كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحابه فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وكلامه ومما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره وهذا شأن كل متبع مع متبوعه فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم (1)  

وقال السراج البلقيني :إن لأئمة الحديث ملكة يعرفون بها الموضوع ، وشاهده أن أنساناً لو خدم أنسانا سنين وعرف ما يحب وما يكره فجاء إنسان وادعى انه يكره شيئا يعلم ذلك انه يحبه فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيب من قال انه يكرهه (2)  .

 

علامات الحديث الموضوع:

1/ إقرار واضعه (3)  بأن يقر الواضع أنه وضع الحديث بعينه كإقرار عمر بن صبح بأنه وضع خطبة نسبها إلى رسول بالله صلى الله عليه وسلم , لكن قال ابن دقيق العيد : وهذا – يعني إقرار الواضع – كاف في تركه لكنه ليس بقاطع في كونه موضوعاً لجواز أن يكون كاذباً في هذا الإقرار (4)  .

قال ابن حجر: وقد فهم منه – أي من كلام ابن دقيق العيد – بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا وليس ذلك مراده وإنما نفي القطع بذلك ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم لان الحكم يقع بالظن الغالب وهو هنا كذلك

ولولا ذلك لما ساغ  قتل المقر بالقتل ولا رجم المعترف بالزنا لاحتمال ان يكونا كاذبين فيما اعترفا به (5) .

مثاله: قال البخاري في (( التاريخ الأوسط)) حدثني يحيى الأشكرى ، عن على بن جابر ، قال : سمعت عمر بن صبح يقول أنا وضعت خطبه النبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم " ا هـ . [ من تهذيب التهذيب (7/1463

2/  ما يتنزل منزلة إقراره (6) كان يحدث بحديث عن شيخ ثم يسأل عن مولده فيذكره تاريخاً يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله ولا يوجد ذلك في الحديث إلا عنده فهذا لم يعترف بوضعه ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع (7)

مثاله : ما ذكره ابن حبان في (المجروحين) ( ج 3 ص 45 ) عن مأمون بن أحمد السلمي في دعواه السماع من هشام بن عمار ، قال ابن حبان : (( قلت له يوماّ : متى دخلت الشام ؟ فقال سنه خمسين ومائتين ، فقلت: فإن هشام بن عمار الذي نروى عنه مات فى سنه خمس و أربعين ومائتين – فقال هذا هشام بن عمار آخر.

 

3/ ما يؤخذ من حال الراوي بحيث تقوم قرينة من حاله تدل على أن ذلك المروي موضوع .

ومن أمثلته :ما أخرجه الحاكم عن سيف بن عمر التميمي انه قال كنا عند سعد بن طريف فجاءه ابنه يبكي فقال:مالك؟قال:ضربني المعلم ؟ قال:لأخزينهم اليوم حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً : معلمو صبيانكم شراركم اقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين .(8)  

4/ ما يؤخذ من حال المروي وله عدة وجوه منها :

أ/ ركاكة معنى الحديث سواء انضم إليها ركاكة لفظ أم لا أما ركاكة اللفظ وحدها فلا تكفي دليلاً على الوضع عند جمهور المحدثين الذين جوزوا الرواية بالمعنى .

أخرج الخطيب بإسناده عن الربيع بن خثيم في (( الكفاية )) (ص431) قال : (( إن من الحديث حديثاً له ضوء كضوء النهار نعرفه ، وإن من الحديث حديثاً له ظلمة كظلمة الليل ننكره .

ب/ كون الحديث مناقضاً لماء جاء به القران الكريم أو السنة الصحيحة الصريحة مناقضة بنية فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو مدح باطل أو ذم حق أو نحو ذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم منه بريء (9)  .

ج/ مخالفة الحديث لصريح العقل وفي هذا يقول ابن الجوزي : كل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فأعلم أنه مرفوع فلا تتكلف اعتباره (10)  

د/ مخالفة الحديث للحس والمشاهدة وحقائق التاريخ

مثاله : ما ذكره الذهبي فى (( ميزان الاعتدال)) (جـ2 صـ 2439 )

(أن سهيل بن ذكوان أبا السندى ، قال : لقيت عائشة بواسط ) وفى التعليق عليه : وكذا يكون الكذبُ ، فقد ماتت عائشة قبل ان يخط الحجاج مدينه واسط بدهر .

 

هـ/ كونه المروي خبراً عن أمر جسيم تتوافر الدواعي على نقله

ثم لا يرويه إلا واحد فإن انفراد هذا الواحد برواية هذا الحديث مع جسامة موضوعه وعظيم شأنه دليل على أن هذا الواحد مختلق كذاب (11)  

و/ أن يكون المروي قد تضمن الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الهين اليسير ومثاله:من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهو في النار سبعين خريفاً أو يتضمن الإفراط بالوعد العظيم على الفعل القليل ومثاله : من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبياً (12) .

ز/ عدم وجود الحديث في بطون الأسفار بعد تدوين السنن إذا فتشت ولم يظفر فيه فإنه يعلم كذبه لعلمنا أن الأخبار قد دونت نقله ابن الصلاح عن البهيقي (13) ونقله الصنعاني عن الفخر الرازي (14)  .

وغير ذلك من العلامات التي نصبها الأئمة دلائل على وضع الحديث وليس معنى ذلك أن هذه العلامات يسيرة معلومة لكل إنسان وإنما ذلك لجهابذة الحديث فقط , فهم الذين لديهم الأدوات الصحيحة التي يتميزون بها صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره تمييزاً دقيقاً .

حكم رواية الحديث الموضوع:

 

اتفق العلماء على تحريم رواية الحديث الموضوع مع العلم بها سواء كانت في الأحكام والحلال أم في الفضائل والترغيب والترهيب إلا على جهة التبيين لحالها فمن بين فهو مثاب على صنيعه لأنه ينفي الكذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وأما من يرويه من غير أن يبين حاله فهو أشد أثم شديد الإثم لحديث :( من حدث عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )) رواه مسلم في مقدمة الصحيح (15)  .

وبهذا نعلم خطأ من أورد الموضوعات من المفسرين كالنقاش والثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي وإسماعيل حقي وغيرهم وكذلك من أوردها من الفقهاء والمؤرخين والأدباء وغيرهم .

المؤلفات في هذا الحديث الموضوع:

 

1 - كتاب تذكرة الموضوعات، أبو الفضل محمد بن ظاهر المقدسي (ت 507 هـ).

2 - كتاب الأباطيل، أبو عبد اللّه الحسن بن إبراهيم الهمداني الجوزقي الحافظ (ت 543 هـ).

3 - كتاب الموضوعات، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت 597 هـ).

4 - القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ).

5 - كتاب اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ).

6 - كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، أبو الحسن علي بن محمد الكتاني (ت 963 هـ).

7 - تذكرة الموضوعات، جمال الدين الفتني (ت 986 هـ).

8 - الفوائد المجموعة في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، أبو عبد اللّه محمد بن علي الشوكاني اليماني (ت 1250 هـ).

9 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ناصر الدين الألباني المعاصر.

ويلاحظ: أن هذه الكتب ألفت بعد تدوين الحديث من صحاح ومسانيد وجوامع  وغيرها.

 



(1)  المنار المنيف ص 44

(2)  محاسن الاصطلاح ص 215

(3)  علوم الحديث ص 89 والتقييد والايضاح ص 131

 (4) الاقتراح لابن دقيق العيد ص 25 .

(5)  شرح النخبة ص 78 .

(6)  مقدمة ابن صلاح مع التقيد ص 131

(7)  الكفاية ص 192-193, والتقيد والايضاح ص 132 ,

(8)  المدخل في اصول الحديث للحاكم ص 101 ضمن المجموعة رقم 2 والمجروحين

(9)  المنار المنيف ص 56-57-99-100

(10)  الموضوعات 1/160 .

(11)  أنظر الموضوعات : 1/355- 357, ومنهاج السنة 4/185, 195-والمنار المنيف

(12)  المنار المنيف ص 50

(13)  علوم الحديث ص 109

       (14)  توضيح الافكار 2/97

(15)  1/62 مع شرح النووي والمسند 5/14 وابن ماجة رقم 38/41