بحث عن بحث

الوقفة الرابعة

بعض فضائل هذه الأمة

m   مما سبق اتضح لنا أن هذه الأمة من أفضل الأمم، كيف لا وهي أمة محمد  صلى الله عليه وسلم  أفضل الأنبياء والرسل على الإطلاق؟! قال تعالى:{كنتم خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران:110].

r  وإليكم بعض فضائل هذه الأمة:

m   فهذه الأمة سابقة على الأمم الأخرى يوم القيامة، فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن هُرْمُزَ الأَعْرَج مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ, حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ, بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا, ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُم الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ, فَهَدَانَا الله, فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ؛ اليَهُودُ صلى الله عليه وسلم دًا, وَالنَّصَارَى بَعْدَ صلى الله عليه وسلم دٍ»([2]).

m   وأنها أول من يقضى بينهم يوم القيامة؛ فعَنْ حُذَيْفَةَ ا أنه قال: قَالَ رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم : «أَضَلَّ الله عَن الجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا, فَكَانَ لِليَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ, وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ, فَجَاءَ الله بِنَا فَهَدَانَا الله لِيَوْمِ الجُمُعَةِ, فَجَعَلَ الجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ, وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ القِيَامَةِ, نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا, وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ, المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلَائِقِ», وَفِي رِوَايَةِ وَاصِلٍ: «المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ»(وأنها أول من يدخل الجنة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم : «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ, وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ, بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ, فَاخْتَلَفُوا, فَهَدَانَا الله لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن الحَقِّ, فَهَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا الله لَهُ, قَالَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ: فَاليَوْمَ لَنَا, وَغَدًا لِليَهُودِ, وَبَعْدَ صلى الله عليه وسلم دٍ لِلنَّصَارَى»(وأنها تشهد على الأنبياء السابقين بأنهم بلّغوا الرسالة؛ كما جاء في الحديث، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم : «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ الله تَعَالَى: هَل بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَل بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا! مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم  وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143]» وَالوَسَطُ: العَدْلُ ([6]).

m   وأنها أكثر أهل الجنة بحيث تكون نصف أهل الجنة، كما بشر به نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  ، فعن عَبْدِ الله بن مسعود ا قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم : «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ, وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: مَا المُسْلِمُونَ فِي الكُفَّارِ إِلَّا كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ, أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَبْيَضَ»([8]).

تفصيل آخر في رواية البخاري: فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ا قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ! يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَبِّ! وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلفٍ -أُرَاهُ قَالَ- تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الوَلِيدُ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا»([10]).

قال صاحب التحفة في شرح هذا الحديث: «وَالمَقْصُودُ بَيَانُ تَكْثِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ, وَأَنَّهُمْ ثُلُثَانِ فِي القِسْمَةِ»([12]).

m   وأنها ستتمتع بشفاعة نبيها صلى الله عليه وسلم  يوم القيامة؛ فعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله  صلى الله عليه وسلم  مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ المَدِينَةَ, فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَرَا نَزَلَ, ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا الله سَاعَةً, ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا, ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا الله سَاعَةً, ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا, ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا, ذَكَرَهُ أَحْمَدُ ثَلَاثًا, قَالَ: «إِنِّي سَأَلتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي؛ فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي, ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلتُ رَبِّي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا, ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلتُ رَبِّي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الآخِرَ؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي»([14]).

وفي المسند عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم  لَيْلَةً, فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ, يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118]، فَلَمَّا أَصْبَحَ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا زِلتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا؟ قَالَ: «إِنِّي سَأَلتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِيهَا, وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ الله لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِالله عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا»(وإنها لا تهلك بأكملها، كما جاء في الحديث عن سعد بن أبي وقاص أَنَّ رَسُولَ الله  صلى الله عليه وسلم  أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِن العَالِيَةِ، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا، فَقَالَ  صلى الله عليه وسلم : «سَأَلتُ رَبِّي ثَلَاثًا؛ فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ, وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا, وَسَأَلتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا, وَسَأَلتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا»([17]).

m   وأنها صلى الله عليه وسلم البة إلى يوم القيامة؛ فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ؛ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ, حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله وَهُمْ كَذَلِكَ»([19]).

m   وأن عيسى بن مريم يصلي خلف إمام هذه الأمة؛ بيانًا منه بأنه جاء متبعًا لشريعة نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  ولم يأت بشريعة جديدة؛ فعن جَابِر بْن عَبْدِ الله يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم , فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَة الله هَذِهِ الأُمَّةَ»([21]).

قال ابن حجر: «قَالَ ابْن التِّين: مَعْنَى قَوْله: «وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ» أَنَّ الشَّرِيعَة المُحَمَّدِيَّة مُتَّصِلَة إِلَى يَوْم القِيَامَة, وَأَنَّ فِي كُلّ قَرْن طَائِفَة مِنْ أَهْل العِلم».

وَقَالَ ابن الجَوْزِيّ: «لَوْ تَقَدَّمَ عِيسَى إِمَامًا لَوَقَعَ فِي النَّفْس إِشْكَال، وَلَقِيلَ: أَتُرَاهُ تَقَدَّمَ نَائِبًا أَوْ مُبْتَدِئًا شَرْعًا, فَصَلَّى مَأْمُومًا لِئَلَّا يَتَدَنَّس بِغُبَارِ الشُّبْهَة وَجْه قَوْله: «لَا نَبِيّ بَعْدِي».

وَفِي صَلَاة عِيسَى خَلف رَجُل مِنْ هَذِهِ الأُمَّة مَعَ كَوْنه فِي آخِر الزَّمَان، وَقُرْب قِيَام السَّاعَة، دَلَالَة لِلصَّحِيحِ مِن الأَقْوَال أَنَّ الأَرْض لَا تَخْلُو عَنْ قَائِم لله بِحُجَّةٍ. وَالله أَعْلَمُ»([23]).

o78o


([2]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، (2/354-356) باختصار.

([4]) المرجع السابق.

([6]) سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد غ ، برقم : (4284)، (ص: 624).

([8]) شرح صحيح مسلم للنووي، (المجلد الأول)، (3/95).

([10]) جامع الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب: ما جاء في صف أهل الجنة، برقم: (2546)، (ص: 578)، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

([12]) شرح صحيح مسلم للنووي، (المجلد الأول)، (3/95-96).

([14]) عون المعبود شرح سنن أبي داود، (7/465).

([16]) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، برقم: (2890)، (ص: 1251).

([18]) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب: قوله غ: «لا تزال طائفة...»، برقم: (1920)، (ص: 857).

([20]) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا، برقم: (156)، (ص: 78).

([22]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (6/ 494).

([23]) سنن ابن ماجه، المقدمة، باب: اتباع سنة رسول الله غ ، برقم: (8)، (ص: 2).